صديق الحسيني القنوجي البخاري

155

أبجد العلوم

نقله وروايته إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم الذي جاء به من عند اللّه واختلاف روايات القراء في قراءته ، وهذا هو علم القراءات . ثم بإسناد السنة إلى صاحبها والكلام في الرواة الناقلين لها ومعرفة أحوالهم وعدالتهم ليقع الوثوق بأخبارهم بعلم ما يجب العمل بمقتضاه من ذلك . وهذه هي علوم الحديث . ثم لا بد في استنباط هذه الأحكام من أصولها من وجه قانوني يفيد العلم بكيفية هذا الاستنباط ، وهذا هو أصول الفقه . وبعد هذا تحصل الثمرة بمعرفة أحكام اللّه تعالى في أفعال المكلفين ، وهذا هو الفقه . ثم إن التكاليف منها بدني ومنها قلبي وهو المختص بالإيمان وما يجب أن يعتقد وما لا يعتقد ، وهذه هي العقائد الإيمانية في الذات والصفات وأمور الحشر والنعيم والعذاب والقدر ، والحجاج عن هذه بالأدلة العقلية هو علم الكلام . ثم النظر في القرآن والحديث لا بدّ أن تتقدمه العلوم اللسانية لأنه متوقف عليها ، وهي أصناف ، فمنها : علم اللغة ، وعلم النحو ، وعلم البيان ، وعلم الأدب ، حسبما نتكلم عليها كلها . وهذه العلوم النقلية كلها مختصة بالملة الإسلامية وأهلها ، وإن كانت كل ملّة على الجملة لا بدّ فيها من مثل ذلك ، فهي مشاركة لها في الجنس البعيد من حيث إنها علوم الشريعة المنزلة من عند اللّه تعالى على صاحب الشريعة المبلغ لها . وأما على الخصوص فمباينة لجميع الملل ، لأنها ناسخة لها ، وكل ما قبلها من علوم الملل فمهجورة والنظر فيها محظور ، فقد نهى الشرع عن النظر في الكتب المنزلة غير القرآن قال - صلّى اللّه عليه وسلّم - : « لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد » ورأى النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - في يد عمر - رضي اللّه عنه - ورقة من التوراة فغضب حتى تبيّن الغضب في وجهه ثم قال : « ألم آتكم بها بيضاء نقية ، واللّه لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي » . ثم إن هذه العلوم الشرعية النقلية قد نفقت أسواقها في هذه الملة بما لا مزيد عليه ، وانتهت فيها مدارك الناظرين إلى الغاية التي لا فوقها ، وهذبت الاصطلاحات ، ورتبت الفنون فجاءت من وراء الغاية في الحسن والتنميق . وكان لكل فن رجال يرجع إليهم فيه ، وأوضاع يستفاد منها التعليم . واختص المشرق من ذلك والمغرب بما هو مشهور منها . وقد كسدت لهذا العهد أسواق العلم بالمغرب لتناقص العمران فيه وانقطاع سند العلم والتعليم . وما أدري ما فعل اللّه بالمشرق ، والظن به نفاق العلم فيه ، واتصال التعليم في العلوم وفي سائر الصنائع الضرورية والكمالية لكثرة عمرانه والحضارة ووجود الإعانة لطالب العلم بالجراية من الأوقاف التي اتسعت بها أرزاقهم . واللّه سبحانه وتعالى هو الفعال لما يريد وبيده التوفيق والإعانة . * * *