صديق الحسيني القنوجي البخاري
14
أبجد العلوم
وبعد : فهذا بث لما وقر في صدري من أحوال العلوم العالية ، وتراجم الفنون الفاخرة ، وأثر بعد عين في تحصيل ما نيطت به سعادة الدنيا والآخرة ، وردت من بحارها الطامية ماء عذبا فراتا حاليا ، وكرعت من أنهارها الصافية ما كان عن القذى طاهرا وعن الأكدار خاليا . حررته إحرازا لما تشتت من أحوال العلوم وتراجم أسمائها وسماتها ، وجمعته إفرازا للفنون مع بيان مباديها وأغراضها وغاياتها . مستمدا في ذلك من كتب الأئمة السادة ، وصحف الكبراء القادة ، بعد أن عرفت مجاريها ، وتعلمت الرمي من القوس وقد كنت باريها . لأني لما وقفت على كتاب ( عنوان العبر وديوان المبتدأ والخبر ) « 1 » لقاضي القضاة مؤيد الدين أبي زيد عبد الرحمن بن خلدون الأندلسي وجدت مؤلفه رحمه اللّه تعالى قد عقد في الكتاب الأول « 2 » منه فصلا سادسا في العلوم وأنواعها وسائر طرقها وأنحائها ، وما يعرض في ذلك كله من الأحوال . ثم رأيت خواجة خليفة زاده ملا كاتب الجلبي « 3 » لخص منه تلك العلوم وأحوالها في مقدمة كتابه ( كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون ) وأضاف إليه أشياء من ( مفتاح السعادة ) « 4 » لأبي الخير . ثم اطلعت على كتاب ( مدينة العلوم ) للأزنيقي « 5 » تلميذ قاضيزاده موسى بن محمود الرومي شارح ( جغميني ) وفيه بيان أنواع العلوم وتراجم بعض علماء الفنون . ثم عثرت على كتاب ( كشاف اصطلاحات الفنون ) للشيخ الفاضل محمد علي بن علي التهانوي الهندي ، وقد ذكر فيه أنواعا من العلوم المتداولة وطرقا من الفنون المتناولة . ورأيت المترفين قد عجزت هممهم عن معرفة هذه العلوم والفنون ، ووجدت العلماء قد قنعوا بالطّلّ من الوابل الهتون ، فكل واحدة من هاتين القبلتين في غنى عن جباتها
--> ( 1 ) عنوانه كما في كشف الظنون ( ص 1124 ) : « العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر » . ( 2 ) وهذا الكتاب الأول من « العبر » هو الذي اشتهر باسم « المقدمة » . انظر المرجع السابق . ( 3 ) هو مصطفى بن عبد اللّه القسطنطيني المولد والمنشأ الحنفي المذهب الشهير بين علماء البلد بكاتب جلبي وبين أهل الديوان بحاجي خليفة المتوفى سنة 1067 ه . انظر مقدمة كشف الظنون ( ص 12 ) . ( 4 ) « مفتاح السعادة ومصباح السيادة » لأحمد بن مصطفى المعروف بطاش كبري زاده المتوفى سنة 962 ه ( كشف الظنون : ص 1762 ) . ( 5 ) هو محمد بن قطب الدين محمد الأزنيقي محيي الدين الرومي الحنفي المتوفى بأدرنة سنة 885 ه . انظر هدية العارفين ( 2 / 211 ) .