صديق الحسيني القنوجي البخاري
128
أبجد العلوم
ما قررناه بحال بغداد وقرطبة والقيروان والبصرة والكوفة لما كثر عمرانها صدر الإسلام واستوت فيها الحضارة كيف زخرت فيها بحار العلم وتفننوا في اصطلاحات التعليم وأصناف العلوم واستنباط المسائل والفنون ، حتى أربوا على المتقدمين وفاقوا المتأخرين . ولما تناقص عمرانها وابذعرّ سكانها انطوى ذلك البساط بما عليه جملة ، وفقد العلم بها والتعليم وانتقل إلى غيرها من أمصار الإسلام . ونحن لهذا العهد نرى أن العلم والتعليم إنما هو بالقاهرة من بلاد مصر لما أن عمرانها مستبحر وحضارتها مستحكمة منذ آلاف من السنين ، فاستحكمت فيها الصنائع وتفننت ومن جملتها تعليم العلم ، وأكد ذلك فيها وحفظه ما وقع لهذه العصور بها منذ مائتين من السنين في دولة الترك من أيام صلاح الدين بن أيوب وهلم جرا . وذلك أن أمراء الترك في دولتهم يخشون عادية سلطانهم على من يتخلفونه من ذريتهم لما له عليهم من الرق أو الولاء ، ولما يخشى من معاطب الملك ونكباته ، فاستكثروا من بناء المدارس والزوايا والربط ووقفوا عليها الأوقاف المغلة يجعلون فيها شركا لولدهم بنظر عليها أو نصيب منها ، مع ما فيهم غالبا من الجنوح إلى الخير والتماس الأجور في المقاصد والأفعال ، فكثرت الأوقاف لذلك وعظمت الغلات والفوائد . وكثر طالب العلم ومعلمه بكثرة جرايتهم منها ، وارتحل إليها الناس في طلب العلم من العراق والمغرب ، ونفقت بها أسواق العلوم وزخرت بحارها واللّه يخلق ما يشاء وهو العليم الحكيم . * * *