صديق الحسيني القنوجي البخاري
115
أبجد العلوم
الإفصاح الثاني : في أقسام الناس بحسب المذاهب والديانات اعلم أن التقسيم الضابط أن يقال : إن من الناس من لا يقول بمحسوس ولا بمعقول وهم السوفسطائية ، فإنهم أنكروا حقائق الأشياء . ومنهم من يقول بالمحسوس ولا يقول بالمعقول وهم الطبيعية ، كل منهم معطل لا يرد عليه فكره براد ، ولا يهديه عقله ونظره إلى اعتقاد ، ولا يرشده ذهنه إلى معاد ؛ قد ألف المحسوس وركن إليه وظن أن لا عالم وراء العالم المحسوس ، ويقال لهم الدهريون أيضا ، لأنهم يثبتون معقولا . ومنهم من يقول بالمحسوس والمعقول ، ولا يقول بحدود ولا أحكام وهم الفلاسفة ؛ فكل منهم قد رقى عن المحسوس وأثبت المعقول لكنه لا يقول بحدود وأحكام وشريعة وإسلام ، ويظن أنه إذا حصل له المعقول وأثبت للعالم مبدأ ومعادا وصل إلى الكمال المطلوب من جنسه ، فيكون سعادته على قدر إحاطته وعلمه ، وشقاوته بقدر جهله وسفاهته ، وعقله هو المستبد بتحصيل هذه السعادة . وهؤلاء الذين كانوا في الزمن الأول دهرية وطبيعية وإلهية لا الذين أخذوا علومهم عن مشكاة النبوة . ومنهم من يقول بالمحسوس والمعقول والحدود والأحكام ولا يقول بالشريعة والإسلام وهم الصابئة ، فهم قوم يقرب من الفلاسفة ، ويقولون بحدود وأحكام عقلية ربما أخذوا أصولها وقوانينها من مؤيد بالوحي . إلا أنهم اقتصروا على الأول منهم وما تعدوا إلى الآخر وهؤلاء هم الصابئة الأولى الذين قالوا بغازيمون وهرمس وهما شيث وإدريس عليهما السلام ولم يقولوا بغيرهما من الأنبياء . ومنهم من يقول هذه كلها شريعة ما وإسلام ، ولا يقول بشريعة محمد صلّى اللّه عليه وسلم وهم المجوس والنصارى واليهود . ومنهم من يقول بهذه كلها وهم المسلمون ، وكانوا عند وفاة النبي صلّى اللّه عليه وسلم على عقيدة واحدة إلا من كان يبطن النفاق . ثم نشأ الخلاف فيما بينهم أولا في أمور اجتهادية ، وكان غرضهم منها إقامة مراسم الدين ، كاختلافهم في التخلف عن جيش أسامة ، وفي موته صلّى اللّه عليه وسلم ، وفي موضع دفنه ، وفي الإمامة ، وفي ثبوت الإرث عنه صلّى اللّه عليه وسلم ، وفي قتال مانعي الزكاة ، وفي خلافة علي ومعاوية ، وكاختلافهم في بعض الأحكام الفرعية . ثم يتدرج ويترقى إلى آخر أيام الصحابة رضي اللّه عنهم فظهر قوم خالفوا في القدر ولم يزل الخلاف يتشعب حتى تفرق أهل