صديق الحسيني القنوجي البخاري
107
أبجد العلوم
الباب الثاني في منشأ العلوم والكتب وفيه فصول الفصل الأول في سببه وفيه إفهامات الإفهام الأول : في أن العلم والتعليم طبيعي في العمران البشري « 1 » ، والبشر محتاج إليه . وذلك أن الإنسان قد شاركته جميع الحيوانات في حيوانيته من الحس والحركة والغذاء وغير ذلك من اللوازم ، وإنما يمتاز عنها بالفكر وإدراكه الكليات التي يهتدي بها لتحصيل معاشه والتعاون عليه بأبناء جنسه ، والاجتماع المهيأ لذلك التعاون ، وقبول ما جاءت به الأنبياء عن اللّه تعالى ، والعمل واتباع صلاح أخراه ؛ فهو مفكر في ذلك كله دائما لا يفتر عن الفكر فيه طرفة عين ، بل اختلاج الفكر أسرع من لمح البصر . وعن هذا الفكر تنشأ العلوم والصنائع ، ثم لأجل هذا الفكر وما جبل عليه الإنسان بل الحيوان من تحصيل ما تستدعيه الطباع فيكون الفكر راغبا في تحصيل ما ليس عنده من الإدراكات ، فيرجع إلى من سبقه بعلم أو زاد عليه بمعرفة أو إدراك ، أو أخذه ممن تقدمه من الأنبياء الذين يبلغونه لمن تلقاه ، فيلقن ذلك عنهم ويحرص على أخذه وعلمه ويرجع إلى ما استفاد عنه إما من الأفواه أو من الدوالّ عليه ، فهذا ميل طبيعي من البشر إلى الأخذ والاستفادة ، فمنهم من ساعده فهمه ، ومنهم من لم يساعده مع ميله إليه . وأما عدم الميل فلأمر عارضي كفساد المزاج وبعد المكان عن الاعتدال ولا اعتداد به . ثم إن فكره ونظره يتوجه إلى واحد واحد من الحقائق وينظر ما يعرض له لذاته واحدا بعد آخر ، ويتمرن على ذلك حتى يصير إلحاق العوارض بتلك الحقيقة ملكة له ، فيكون حينئذ علمه بما يعرض لتلك الحقيقة علما مخصوصا ،
--> ( 1 ) هذا الفصل بنفس العنوان في مقدمة ابن خلدون ( ص 460 ، 461 ) .