صديق الحسيني القنوجي البخاري

105

أبجد العلوم

التاسع : أن يعظم شيوخه ويجلهم ويكون لهم بمثابة الرقيق فقد قيل : « إن للشيخ حقا مثل ما للأب » ، بل أزيد لأن الشيخ سبب الحياة الدنيوية والأخروية والأب إنما هو سبب الحياة الدنيوية فقط ؛ والعلم حياة والجهل موت ، وقد قيل في تفسير الآية : يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ إن المراد يخرج العالم من الجاهل والجاهل من العالم . العاشر : أن لا ينظر وقد شارف على أول فائدة وقرب إلى معرفة أدنى مرتبة فيظن في نفسه الظنون ويخطر بباله أن قد فاز بالقدح المعلى وبلغ الغاية القصوى ، فالعلم محتاج إلى تقرير وثبت وإلا فهو قد أقنع نفسه بالجهل وهو لا يشعر وتعلق به قلة العقل ، بل وإن داوم على جمع العلوم وتلك العقيدة باقية فيه لا تظهر لعلمه فائدة ولا يعود عليه ذلك الطلب بعائدة بل يبقى ممحوق البركة ذاهب الرونق . وكم قد شاهدنا ممن قبلنا وفي زماننا ، وكم قد حكت ذلك التواريخ في العالم . الحادي عشر : أن لا يكون سؤاله ولا تكلمه إلا لأربعة أنواع : إما لعدم فهمه لذلك . أو أنه قد ظهر له اختلال في كلام المصنف ولكن لا عن مجازفة وتخيلات . أو عدم معرفة لأصل البحث . أو أنه قد ظهر له أن قد سبق إلى ذهن الشيخ غير ما دل عليه كلام المصنف . فهذه أحوال الطالب ، ولكل من العالم والطالب أحوال أخر لكن هذه أجلّها وأشدها حاجة وأعظمها ماسة ، فإذا قام العالم بتلك الأحوال وقام الطالب بأحواله كان سبب السعادة والفوز . وعلى فضل العلم والعلماء أدلة كثيرة واسعة تركتها اختصارا . واعلم أن العلماء تتفاوت مراتبهم وأحوالهم وإن كان قد صدق عليهم مسمى العلم وأحرزوا تلك الأمور ، والتفاوت إنما هو بقوة الاستنباط وصحة قريحة الاجتهاد ، فالاجتهاد ملكة تحصل للعالم عند جمعه لتلك العلوم وقد لا تحصل ، فحصولها متوقف على جمع تلك العلوم ولا يلزم من جمعها حصولها لأنها كالآلة مثل آلة النجار ، فإنه قد يعرف كيفية النجارة ويتصورها ويجمع آلاتها ولا يمكنه أن يحكم الصناعة كلية الإحكام . فالعالم قد يجمع جميع العلوم وتحصل له تلك الكيفية التي هي الملكة ولا يمكنه العمل بتلك الملكة ،