صديق الحسيني القنوجي البخاري

103

أبجد العلوم

سواء . فهل يكون ذلك داعيا لأن ينظر لنفسه حقا وأن يفتخر ويعتريه العجب ، وهل تقابل تلك المنحة بهذا . السادس : أن يصون العلم عما يدنسه ، فالعلم جوهر شفاف نوري يكدره أدنى مكدر ويذهب برونقه أيسر شيء ، وما ذاك إلا لشرفه ، ولذا قيل : « إن عيب ذي الشرف مذكور وعيب الجاهل مغمور » فيصير عند كل راء وسامع أضحوكة وسخرية ، فكيف بمن علم تحريم المحرمات كالخمر والزنا والربا وأكل أموال الناس بالباطل والارتشاء ثم أقدم على أحدها فهل تكون لعلمه فائدة وهل تصير له ثمرة ، وهل كان إلا نكالا ووبالا وسببا لهلاكه ، وداعيا لأهل البطالة إلى عدم الإقلاع عن تلك الأفعال ومجريا لهم إلى ملازمة الفساد ، لأنهم قد نظروه بعين العلم فيكون عليه وزره وأوزارهم . فكيف إذا انضم إلى فعله التحليل لهم والتحريم من المسامحة والموافقة في مخالفة الشرع فهو أشد من كل بلية وأعظم من كل فتنة ، لأنه أضله اللّه على علم ، ثم لم يكتف بذلك حتى أضل غيره فيكون من أهل الشقاوة . السابع : أن لا يفتي إلا عن ثبت إذ لو أفتى من دون ثبت كان إثم الذي أفتاه عليه وإثمه على الإقدام على الفتيا من دون معرفة ، وكان كالحاكم الذي حكم بالحق وهو لا يعلمه وهو من أهل النار كما حكم بذلك الرسول صلّى اللّه عليه وسلم . الثامن : أن لا يفتي من ذات نفسه برأيه فهو محرم عليه لأنه مجتهد ، والمجتهد هو من استفرغ الوسع لتحصيل ظن بحكم ظني . فإذا أفتى من دون استنباط ولا معرفة لما يكون هذا الفرد لاحقا به فهو من التقول على اللّه بما لم يقل . التاسع : أن يجل جميع العلماء ولا يستحقر أحدا منهم ويعظمهم ، فإن وافق أقوالهم الصواب كان لهم رتبة العلم ورتبة الموافقة ، وإن خالف فإن كان عن جهل وعدم استفراغ الوسع فقد أخطأ وعليه وزر الخطأ ، وإن كان عن التباس فهو مخطئ معذور وله أجر فينبهه على خطئه . العاشر : أن يبذل نفسه ووسعه ويفرغ أوقاته لمن أراد التعلم عليه ، وينصح الطالب ويلقي عليه ما يجب عليه من الفوائد والنكت إن كان أهلا لذلك ، ويعرفه ما هو الحق والصواب وما يجب عليه اتباعه واجتنابه . فما فائدة العلم والتعليم سوى ذلك ، ولم يجب علينا طلب العلم إلا للإفادة به لمن طلبه . والعالم يكون كالشاهد لكونه قد عرف ، والطالب يكون كالغائب وقد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « ليبلغ الشاهد الغائب » ثم إن له على التعليم الأجر العظيم والمقام الكريم .