السيد الخميني

68

الاستصحاب

الأمر الثاني بعض موارد الخلط بين التكوين والتشريع إنه كثيرا ما يقع الخلط بين الأمور التكوينية والتشريعية ، فيسري الغافل الحكم من التكوين إلى التشريع ، فمن ذلك : أنه لما قرع بعض الأسماع أن الأمور الانتزاعية يكون جعلها ورفعها بمناشئ انتزاعها ، فلا يمكن جعل الفوقية والتحتية للجسمين إلا بجعلهما بوضع خاص ، يكون أحدهما أقرب إلى المركز والآخر إلى المحيط ، فبعد ذلك تنتزع الفوقية والتحتية منهما قهرا ، ولا يمكن جعلهما ورفعهما استقلالا ، فجعل هذا الحكم التكويني مقياسا للأمور التشريعية ، فقايس الأمور التشريعية بالأمور التكوينية ، فذهب إلى امتناع جعل الجزئية والشرطية والمانعية للمأمور به ورفعها عنه استقلالا ، وزعم أن جعلها بجعل منشأ انتزاعها كالأمور التكوينية ( 1 ) ، مع أن القياس مع الفارق . وتوضيح ذلك : أن الأمور الاعتبارية تابعة لكيفية اعتبارها وجعلها ، فقد يتعلق الأمر القانوني بطبيعة أولا على نحو الإطلاق لاقتضاء في ذلك ، ثم تحدث مصلحة في أن يجعل لها شرط ، أو يجعل لها قاطع ومانع بلا رفع الأمر القانوني الأول ، فلو قال المولى : * ( أقيموا الصلاة ) * ( 2 ) ثم قال : * ( إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق ) * ( 3 ) أو قال : " يشترط في الصلاة الوضوء أو القبلة " أو قال : " لا تصل في وبر ما لا يؤكل لحمه " أو " لا تصل في الثوب النجس " ينتزع منها الشرطية والمانعية ، فهل ترى أنه يلزم أن يرفع الأمر الأول وينسخه ، ثم يأمر بالصلاة مع التقيد بالشرط أو عدم المانع ؟ ! وأي مانع من جعل الوجوب للطبيعة المطلقة بحسب الجعل الأولي ، ثم يجعلها

--> 1 - كفاية الأصول : 456 و 457 . 2 - سورة البقرة 2 : 43 . 3 - سورة المائدة 5 : 6 .