محمد بن علي الشوكاني
546
البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع
فاستوطن القاهرة وقرأ على أعيان العلماء في الفنون كالشيخين المتقدّمين والعزّ بن جماعة وابن عدلان ، وسمع من خلق وأجاز له الأكابر . ومما يحكى من حفظه أنه أول ما دخل الكاملية طلب من ناظرها بيتا فامتنع ، واتفق مجيء شاعر [ الناصر ] « 1 » بقصيدة وأنشده إياها بحضرة صاحب الترجمة فقال للناظر قد حفظتها فقال له الناظر إن كان كذلك أعطيتك بيتا فأملاها له من حفظه جميعها فأعطاه البيت . وما زال يطلب العلم على علماء القاهرة حتى برع في جميع العلوم وفاق [ 234 ] الأقران وتفرّد بكثير من المعارف . وقال له ابن كثير أذكرتنا [ سمة ] « 2 » ابن تيمية وكذلك قال له ابن شيخ الجبل ما رأيت بعد ابن تيمية أحفظ منك ، ودخل حلب في سنة ( 793 ) صحبة الظاهر برقوق وأخذ بها عن جماعة ، وعيّن لقضاء مصر غير مرة ولم يتمّ ، مع كونه في ذلك يترفّع عنه ويجلس فوق كبار القضاة بل ولي ابنه في حياته وشاع ذكره في الممالك [ وعظّمته ] « 3 » الأكابر فمن دونهم وأثنى عليه أكابر شيوخه . قال ابن حجي : كان أحفظ الناس لمذهب الشافعيّ واشتهر بذلك وشيوخ موجودون ، قدم علينا دمشق قاضيا وهو كهل فبهر الناس بحفظه وحسن عبارته وجودة معرفته وخضع له الشيوخ في ذلك الوقت واعترفوا بفضله ، ثم بعد ذلك تصدّر للفتيا والتدريس [ فكثرت ] « 4 » طلبته وصاروا شيوخا في حياته ، وله تصانيف كثيرة لم تتمّ لأنه يبتدئ كتابا فيصنّف منه قطعة ثم يتركه . قال البرهان الحلبيّ : رأيته رجلا فريد دهره لم تر عيناي أحفظ منه للفقه وأحاديث الأحكام وقد حضرت دروسه مرارا وهو يقرئ في مختصر مسلم للقرطبي يقرؤه عليه شخص مالكيّ ويحضر عنده فقهاء المذاهب الأربعة فيتكلم على الحديث الواحد من بكرة إلى قريب الظهر ، وربما أذّن الظّهر ولم يفرغ من الحديث . انتهى .
--> ( 1 ) في [ ب ] مدح الناصر . ( 2 ) زيادة من [ ب ] . ( 3 ) في [ ب ] وعظمه . ( 4 ) في [ ب ] فكثر .