محمد بن علي الشوكاني
640
البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع
يفهمونه بل يصيرون فيه من التحقيق إلى غاية لا يخفى عليهم منه شيء ، ويدرّسون فيه ويفتون به ، وهم لا يعرفون سواه بل لا يميّزون بين الفاعل والمفعول . ( والذي أدين اللّه به ) أنه لا رخصة لمن علم من لغة العرب ما يفهم به كتاب اللّه بعد أن يقيم لسانه بشيء من علم النحو والصرف وشطر من مهمات كليات أصول الفقه في ترك العمل بما يفهمه من آيات الكتاب العزيز ، ثم إذا انضمّ إلى ذلك الاطّلاع على كتب السنة المطهّرة التي جمعها الأئمة المعتبرون وعمل بها المتقدّمون والمتأخّرون كالصحيحين وما يلتحق بهما مما التزم فيه مصنّفوه الصّحة أو جمعوا فيه بين الصحيح وغيره مع البيان لما هو صحيح ولما هو حسن ولما هو ضعيف وجب العمل بما كان كذلك من السنة ولا يحلّ التمسّك بما يخالفه من الرأي سواء كان قائله واحدا أو جماعة [ 278 ] أو الجمهور فلم يأت في هذه الشريعة الغرّاء ما يدل على وجوب التمسّك بالآراء المتجرّدة عن معارضة الكتاب أو السنة فكيف بما كان منها كذلك بل الذي جاءنا في كتاب اللّه على لسان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [ الحشر : 7 ] قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي [ آل عمران : 31 ] لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [ الأحزاب : 21 ] إلى غير ذلك وصح عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « كلّ أمر ليس عليه أمرنا فهو ردّ » « 1 » فالحاصل أن من بلغ في العلم إلى رتبة يفهم بها تراكيب كتاب اللّه ويرجّح بها بين ما ورد مختلفا من تفسير السلف الصالح ويهتدي به إلى كتب السنة التي يعرف بها ما هو صحيح وما ليس
--> ( 1 ) أخرجه البخاري رقم ( 2697 ) ومسلم رقم ( 1718 ) وأحمد ( 6 / 73 و 270 ) وأبو داود رقم ( 4606 ) وابن ماجة ( 1 / 7 رقم 14 ) والدارقطني في السنن ( 4 / 224 - 225 ، 227 ) والبيهقي ( 10 / 119 ) من حديث عائشة رضي اللّه عنها مرفوعا بلفظ ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ ) . ( * ) وأخرج البخاري في « خلق أفعال العباد » ص 43 ، وأحمد في المسند ( 6 / 146 ، 180 ، 240 ، 256 ، 270 ) والبغوي في شرح السنة ( 1 / 211 رقم 103 ) وابن حجر في تغليق التعليق ( 3 / 397 ) بلفظ « من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد » .