محمد بن علي الشوكاني
55
البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع
رغبة في المباحثات العلمية شديدة ، بحيث أنه لا يعرض البحث في مسألة من المسائل إلا وفحص عنه وسأل وراجع . وكثيرا ما تفد عليّ منه سؤالات أجيب عنه برسائل ، كما يحكي ذلك مجموع رسائلي . مع أنه - نفع اللّه به - إذ ذاك عالي السّنّ قد قارب السبعين وأنا في نحو الثلاثين وهذا أعظم دليل على تواضعه . ثم ما زاله هذا دأبه إلى الآن وهو صديقي وحبيبي يدعوني إلى بيته المرّة بعد المرة . وله في المكارم مسلك لا يقدر عليه غيره ، وفي حسن الأخلاق وتفويض الأمور إلى المهيمن [ 4 أ ] الخلاق أمر عجيب . وقد أعانه اللّه على برّ والده ، والقيام بواجب حقّه ، والمشي على ما يريده . وكان والده رحمه اللّه رئيس آل إسحاق والمتولّي لأمورهم بعد أن دعا إلى نفسه وبايعه الناس قاطبة ، ثم اختار اللّه له التخلّص من ذلك فما زال على رئاسة أهل بيته حتى مات . ثم قام ولده هذا مقامه أياما فلم تطب نفس أخيه الأكبر السيد العلامة أحمد ابن محمد فخرج من صنعاء مغاضبا للإمام المهديّ رحمه اللّه . وسيأتي شرح ذلك في ترجمته إن شاء اللّه تعالى . وحاصله أنه صار مكان والده ، ورغب صاحب الترجمة عن الرئاسة الدنيوية فاستبدل بالخيل والخول الزهد والتقشّف ، وترك زيّ أبناء جنسه من بيت الخلافة والمملكة ، ومع هذا فله جلالة في القلوب ونبالة في النفوس وضخامة زائدة عند جميع الناس ، إذا مرّ به راكب من آل الإمام أو من أكابر الوزراء والأمراء والقضاة ترجّل له وسلّم عليه . وما رأيت مولانا الخليفة يجلّ أحدا كإجلاله له وهو حقيق بذاك وهو الآن حيّ ينتفع به الناس « 1 » .
--> ( 1 ) قلت ثم مات رحمه اللّه في 28 شهر جمادى الأولى سنة 1241 إحدى وأربعين ومائتين وألف . كما في نيل الوطر من تراجم نبلاء القرن الثالث عشر ومن شعر صاحب الترجمة ما كتبه إلى شيخ الإسلام محمد بن عليّ الشوكاني : أيا بدر دين اللّه هنّئت أولا * بفهمك إن الفهم أقوى الدلائل بلغت به شأوا رفيعا ومحتدا * ونلت به ما لم ينل كل نائل وحقّقت بالتحقيق في كل مطلب * وحزت مع التدقيق كلّ الفضائل فكم مشكل في العلم أوضحت حلّه * فكان هو الشافي لصدر المسائل -