محمد بن علي الشوكاني
358
البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع
وعرف طباعهم واختلاف أوضاعهم وصار أخبر بهم من أحدهم لا يخفى عليه من أحوالهم دقيق ولا جليل . ثم ارتحل إلى صنعاء رحلة ثانية وكنت إذ ذاك مشغولا بالتدريس والتأليف والإفتاء ولكنه قد جفاني جماعة من الذين لا يعرفون الحقائق لصدور اجتهادات مني مخالفة لما ألفوه وعرفوه ، وهذا دأبهم سلفا عن خلف لا يزالون يعادون من بلغ رتبة الاجتهاد وخالف ما دأبوا عليه ودرجوا من مذاهب الآباء والأجداد فوصل صاحب الترجمة في سنة ( 1209 ) والمواحشة بيني وبين المذكورين زائدة ولهب نار الاختلاف [ 149 ] صادعة فقرأ عليّ في مختصر المنتهى وشرحه لعضد الدين وحاشيته للسعد ، وقرأ عليّ في الخرازية وشرحها في العروض ، وما زال يعادي أعداي ويواد أوداي ، ويقوم في غيبتي مقام الأخ الحميم ويتوجّع من أحوال أبناء الزمن وما جبل عليه طلبة العلم في قطر اليمن ، ثم وصل إلى صنعاء مرة ثالثة في شهر رمضان سنة ( 1211 ) وكنت إذ ذاك قد امتحنت بقبول القضاء الأكبر بعد الإلزام به من مولانا خليفة العصر حفظه اللّه فاستقر المترجم له في صنعاء نحو نصف سنة يتصل بي في كل وقت ويحضر في مواقف التدريس ومجالس المنادمة والتأنيس ، ويطارحني بأدبياته ويواصلني بفقره الفائقة وأبياته ، حتى ولّاه مولانا الإمام حفظه اللّه قضاء بيت الفقيه بن عجيل بعد موت القاضي العلامة عبد الفتاح ابن أحمد العواجي ، وهو الآن قاض هنالك وقد باشره مباشرة حسنة بعفة ونزاهة وحرمة كاملة وصدع بالحق بحسب الحال ومقدار ما يبلغ إليه الطاقة ، وقد أجزته بكل ما يجوز لي روايته وهو مشارك لي في السماع من أكابر شيوخي وله قدرة على النظم والنثر وملكة كاملة في جميع العلوم عقلا ونقلا ولا يقلّد أحدا بل يجتهد برأيه وهو حقيق بذلك ، ولما وقف على أبيات لي من الحماسة رضت القريحة بها مرغبا في المرتبة الوسطى إذا أعجزت الغاية وهي : إذا أعوز المرء الصعود إلى التي * إليها تناهى كلّ أروع أصيد فمن دون تحليق النسور منازل * تروح بها رقش البزاة وتغتدي ودع عنك أدنى مسرح العزّ إنه * مطار بغاث الطير عند التبلّد