محمد بن علي الشوكاني
34
البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع
الثامن ومن بعدهم مما بلغني خبره إلى عصرنا هذا ليعلم صاحب تلك المقالة أن اللّه وله المنة قد تفضّل على الخلف كما تفضّل على السلف بل ربما كان في أهل العصور المتأخّرة من العلماء المحيين بالمعارف العلمية على اختلاف أنواعها من يقلّ نظيره من أهل العصور المتقدمة كما سيقف على ذلك من أمعن النظر في هذا الكتاب وحلّ عن عنقه عرا التقليد ، وقد ضممت إلى العلماء من بلغني خبره من العباد والخلفاء والملوك والرؤساء والأدباء ولم أذكر منهم إلا من له جلالة قدر ونبالة ذكر وفخامة شأن دون من لم يكن كذلك . فالحاصل أن المذكورين في هذا الكتاب هم أعيان الأعيان وأكابر أبناء الزمان من أهل القرن الثامن ومن بعدهم إلى الآن . وربما أذكر من أهل عصري ممن أخذت عنه أو أخذ عني أو رافقني في الطلب أو كاتبني أو كاتبته من لم يكن بالمحلّ المتقدّم ذكره ، لما جبل عليه الإنسان من محبة أبناء عصره ومصره . وربما أذكر من أهل عصري من لم يجر بيني وبينه شيء من ذلك . وقد استكثر المتأخرون من المشتغلين بأخبار الناس المؤلّفين فيها من تسجيع الألفاظ والتأنّق في تنقيحها وتهذيبها مع إهمال بيان الأحوال والمولد والوفاة . ومثل ذلك لا يعدّ من علم التاريخ ، فإن مطمح نظر مؤلّفه وقصارى مقصوده هو مراعاة الألفاظ وإبراز النّكات البديعة ، وهذا علم آخر غير علم التاريخ ، إنما يرغب إليه من أراد أن يتدرّب في البلاغة ، ويتخرّج في فن الإنشاء . فربما ألجأتني الضرورة إلى نقل ترجمة بعض الأعيان من مثل تلك المؤلفات ولم أجد له ذكرا في غيرها فأذكره [ 1 ] مهملا عن ذكر المولد والوفاة منبّها على عصره إجمالا مبيّنا لما أمكن بيانه من أحواله وهذا هو القليل النادر . والمرجوّ من اللّه جل جلاله الإعانة على [ إتمام ] « 1 » هذا الكتاب وبروزه في الخارج على ما دار في الخلد من التصور فيكون إن شاء اللّه من أنفس الكتب وأنفعها لطالب هذا الفنّ ، ويصير من أمعن النظر في مطالعته بعد إمعانه في
--> ( 1 ) في [ ب ] تمام .