محمد بن علي الشوكاني
232
البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع
دقيقها وجليلها ويحمل على ظهره ما يحتاج إلى الحمل منها ويقود دابته ويسقيها بنفسه . ولا يتصدّر بما يتصدّر له من هو معدود من صغار تلامذته من تحرير الفتاوى ومماراة أهل العلم ، بل جلّ مقصوده الاشتغال بخاصة نفسه ونشر العلم بإلقائه إلى أهله والقيام بما لا بد منه من المعيشة يكتفي بما يحصل له من مستغلّاته التي ورثها عن سلفه الصالح مع حقارتها . وخطب للقضاء في أيام شبابه فلم يساعد بل صمم على الامتناع بعد أن رغّبه شيخه أحمد بن صالح المتقدم ذكره . والحاصل أنه من العلماء الذين إذا رأيتهم ذكرت اللّه عزّ وجلّ وكلّ شؤونه جارية على نمط السلف الصالح وكان إذا سأله سائل أحاله في الجواب على أحد تلامذته وإذا أشكل عليه شيء في الدرس أو فيما يتعلق بالعمل سأل عنه غير مبال سواء كان المسؤول عنه خفيّا أو جليّا لأنه جبل على التواضع ، ومع هذا ففي تلامذته القاعدين بين يديه نحو عشرة مجتهدين والبعض منهم يصنّف في أنواع العلوم إذ ذاك وهو لا يزداد إلا تواضعا . قرأت عليه رحمه اللّه في المطوّل وحواشيه والعضد وحواشيه من أولهما إلى آخرهما ، والكشاف وبعض حواشيه من أوله إلى آخره إلا فوتا يسيرا ، وبعض الرسالة الشمسية وشرحها للقطب وحاشيتها للشريف وبعض تنقيح الأنظار في علوم الحديث وقطعة من صحيح مسلم وقطعة من شرحه للنووي ، وجميع سنن أبي داود ومختصر المنذريّ عليها وبعض شرح ابن رسلان والخطّابيّ لها ، وشرح بلوغ المرام لجدّه إلا قليلا من أوائله واستمر على حاله الجميل لا يزداد إلا تواضعا وتصاغرا وتحقيرا لنفسه ، وهكذا فليصنع من أراد الوصول إلى ثمرة العلم والبلوغ إلى فائدته الأخروية ، وكان رحمه اللّه يقبل عليّ إقبالا زائدا ويعينني على الطلب بكتبه وهو من جملة من أرشدني إلى شرح المنتقى ، وشرعت فيه في حياته ، بل شرحت أكثره وأتممته بعد موته ، وكان كثيرا ما يتحدّث في غيبتي أنه يخشى عليّ من عوارض العلم الموجبة للاشتغال عنه ، فما أصدق حدسه وأوقع فراسته ، فإني ابتليت بالقضاء بعد موته بدون سنة وانتقلت روحه الطاهرة إلى جوار اللّه في يوم الثلاثاء ثالث وعشرين من شهر الحجة سنة 1208 ثمان ومائتين وألف ، ورثيته بقصيدة أولها :