محمد بن علي الشوكاني

224

البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع

وكان لصاحب الترجمة في تلك البلاد صولة عظيمة حتى كان أصحابه يبطشون بالنصارى إذا تعرّضوا لهم ويضربونهم . وشاع عند الحبشة أن العرب الذين هم أصحاب المترجم له يأكلون الناس فزادت مهابتهم في صدورهم . وكان أعظم معين لهم على ذلك البنادق فإنه لا يعرفها أهل الحبشة إذ ذاك ولولا هي ما قدروا على مرور الطريق ، فإنهم كانوا ينصبّون عليهم كالجراد فيرمونهم بالبنادق فيقتلون منهم وينهزمون ويفزعون لأصواتها وتأثيرها . ثم لما أيس صاحب الترجمة من إسلام السلطان طالبه بالإذن له بالرجوع إلى ديار الإسلام فتثاقل عنه ، ثم بعد حين أذن له وكان لا يصحو من شرب الخمر فعيّن له وقتا يصل إليه للوداع ، وترك شرب الخمر في ذلك اليوم ، وجمع وزراءه وأمراءه وأعيان دولته فأمر صاحب الترجمة أصحابه أن يرموا بالبنادق عند وصولهم إلى باب السلطان كما يفعله أهل اليمن ويسمّون ذلك تعشيرة ، فلما سمع السلطان أصوات البنادق هرب من إيوانه وهرب الوزراء وسائر أصحاب السلطان فدخل صاحب الترجمة الدار ثم بعد ذلك عاد السلطان إلى مكانه وأخذ في أهبة [ 89 ] توجيهه إلى بلاد الإسلام . وكان جملة بقائه لديه نحو ثلاث سنين ورجع إلى حضرة الإمام سالما ، وهذه الرحلة مشتملة على عجائب وغرائب قد جمعها صاحب الترجمة في كراريس هي بأيدي الناس ، ومن شعره أيام إقامته بالحبشة هذه الأبيات : على كل سعي في الصلاح ثواب * وكلّ اجتهاد في الرشاد صواب وليس على الإنسان إدراك غاية * ودون مداها للعيون حجاب ولو علم الساعون غاية أمرهم * لما كان شخص بالشرور يصاب فقل لأمير المؤمنين لقد دعا * وحقّ له بعد الدعاء يجاب ولكن دعا قوما يظنون أنهم * رموا غرضا في دينهم فأصابوا وهي أبيات طويلة جيدة ، وله أشعار أيام إقامته هنالك وشعره جيد ( مات ) في شهر ذي الحجة سنة 1070 سبعين وألف سنة « 1 » .

--> ( 1 ) وفي بهجة الزمن أن وفاة القاضي حسن بن أحمد الحيمي في ثاني عيد النمر أو ثالثه من -