محمد بن علي الشوكاني
211
البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع
وإن كان قد أهلك من العباد والبلاد زيادة على ما أهلك هذا إلا أن ذاك لم يباشر ما باشره هذا ولا بعضه ، ولا كان جميع ما فعله في حياته بل الغالب بعد موته في سلطنة أولاده وأحفاده . وأما هذا الطاغية فهو المباشر لكل فتوحاته المدبر لجميع معاركه ، ولقد كان من أعاجيب الزمن في حركاته وسكناته وكان شيخا طويلا مهولا طويل اللّحية حسن الوجه أعرج شديد العرج سلبت رجله أوائل أمره ، ومع ذلك يصلّي من قيام ، مهابا بطلا شجاعا جبارا ظلوما سفاكا للدماء مقداما على ذلك . أفنى في مدة سلطنته من الأمم ما لا يحصيهم إلا اللّه ، وخرّب بلدانا كثيرة تفوت الحصر ، وكان جهير الصوت يسلك الجدّ مع القريب والبعيد ولا يحب المزاح ، ويحب الشطرنج وله فيه يد طولى ومهارة زائدة وزاد فيه جملا وبغلا وجعل رقعته عشرة في أحد عشر بحيث لم يكن يلاعبه فيه إلا أفراد ويقرّب العلماء والصّلحاء والشّجعان والأشراف وينزّلهم منازلهم ، ولكن من خالف أمره أدنى مخالفة استباح دمه ، فكانت هيبته لا تدانى بهذا السبب وما أخرب البلاد إلا بذلك ، فإنه كان من أطاعه من أول وهلة أمن ومن خالفه أدنى مخالفة هلك ، وله فكر صائب ومكايد في الحرب عجيبة ، وفراسة قلّ أن تخطئ ومعرفة بالتواريخ لإدمانه [ 83 ] على سماعها وعدم خلوّ مجلسه عن قراءة شيء منها سفرا وحضرا ، وكان مغرى بمن له معرفة بصناعة ما إذا كان حاذقا فيها مع كونه أميا لا يحسن الكتابة ولا القراءة ، وله حذق باللغة الفارسية والتركية والمغلية ويعتمد قواعد جنكز خان ويجعلها أصلا ، ولذلك أفنى العالم مع تظهّره بالإسلام وشعائره . وكان له جواسيس في جميع البلاد [ 27 أ ] التي ملكها والتي لم يملكها فكانوا ينهون إليه الحوادث الكائنة على جليتها ويكاتبونه بجميع ما يروم ، فلا يتوجّه إلى جهة إلا وهو على بصيرة من أهلها ، وبلغ من دهائه أنه كان إذا أراد قصد جهة جمع أكابر الدولة وتشاوروا إلى أن يقع الرأي على التوجه في الوقت الفلاني إلى الجهة الفلانية فيكاتب جواسيس تلك الجهات أهلها فيأخذون الحذر ويأمن غيرهم فإذا ضرب النفير وأصبحوا سائرين ذات الشمال عرّج بهم ذات اليمين فيدهم الجهة التي يريد وأهلها غافلون .