محمد بن علي الشوكاني
204
البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع
كان الناصر لا يفعل شيئا إلا بعد مشاورته ولم يكتب هو إلى السلطان في شيء فيردّه فيه إلا نادرا . ولم يتفق في طول ولايته أنه ولّى أميرا ولا نائبا ولا قاضيا ولا وزيرا ولا كاتبا إلى غير ذلك من جليل الوظائف وحقيرها برشوة ولا طلب مكافأة ، بل ربما كان يدفع إليه المال الجزيل لأجل ذلك فيردّه ويمقت صاحبه ، وكان يتردّد إلى القاهرة بإذن السّلطان فيبالغ في إكرامه واحترامه حتى قال النّشو مرة : إن الذي خصّ [ تنكز ] في سنة ( 733 ) خاصّة مبلغ ألف ألف وخمسين ألفا خارجا عن الخيل والسّروج . وكان قد سمع الحديث من عيسى المطعم ، وأبي بكر بن أحمد بن عبد الدائم ، وابن الشّحنة وغيرهم ، ولمّا حجّ قرأ عليه بعض المحدّثين بالمدينة الشريفة ثلاثيات البخاري . ومن مبالغة السلطان في تعظيمه أنه روى عنه الأمير سيف الدين أنه قال له مرة : لي مدة طويلة أطلب من الناس شيئا لا يفهمونه مني ، وهو أني لا أقضي لأحد حاجة إلا على لسان ( تنكز ) ودعا له بطول العمر . قال : فنقلت ذلك إلى ( تنكز ) فقال له أموت أنا في حياة السلطان . قال فبلغت السلطان ذلك فقال لا قل له أنت إذا عشت بعدي نفعتني في أولادي وأهلي ، وأنت إذا متّ قبلي أيش أعمل أنا مع أولادك أكثر مما عملت معهم في حياتك [ 79 ] . ولتنكز مآثر في دمشق مساجد ومدارس ورباطات . وحج في سنة ( 721 ) ويقال : إنه قدم القاهرة بعد حجّه فأمر السلطان الأمراء يهادونه فكانت جملة ما قدّم إليه ثمانين ألف دينار . وكان الناس في ولايته آمنين على أنفسهم وأموالهم وحريمهم وأولادهم [ وأموالهم ] « 1 » وكان يتوجّه في كل سنة إلى الصيد ، ويصيد أياما وكان مثابرا على الحق ونصر الشرع ، إلا أنه كان كثير التخيل سريع الغضب شديد الحدّة ولا يقدر أحد على مراجعته مهابة له ، وإذا بطش بطش بطشة الجبارين ، وإذا غضب على أحد لا يزال ذلك المغضوب عليه في انعكاس وخمول إلى أن
--> ( 1 ) زيادة من [ ب ] .