محمد بن علي الشوكاني
175
البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع
وقرأ في عدة فنون وبرز في جميعها وفاق أهل عصره وطال صيته واشتهر ذكره ومهر في صناعة النظم والنثر فجاء بما لا يقدر عليه غيره ، وأقبل عليه ملوك اليمن وصار له حظّ عظيم عند الخاصّ والعامّ . وولاه الملك الأشرف تدريس المجاهدية بتعزّ ، والنظاميّة بزبيد ؛ فأفاد الطلبة وعيّن للسّفارة إلى الديار المصرية ثم تأخر ذلك لطمعه في الاستقرار في قضاء الأقضية بعد المجد الشيرازيّ صاحب القاموس الآتي ذكره إن شاء اللّه تعالى ، فلم يتمّ له مناه بل كان يرجوه في حياة المجد ويتحامل عليه بحيث إن المجد عمل للسلطان كتابا وجعل [ 65 ] أول كلّ سطر منه الألف . فاستعظمه السلطان فعمل له صاحب الترجمة كتابه الذي لم يسبق إليه المعروف ( بعنوان الشرف ) والتزم أن يخرج من أواخره ووسطه علوما غير العلم الذي يخرج من جميعه وهو الفقه ولم يتمّ في حياة الأشرف فقدّمه لولده الناصر ووقع عنده بل وعند سائر علماء عصره ببلده وغيرها موقعا عظيما . ومن تأمّله رأى فيه ما يعجز عنه غالب الطباع البشرية فإنه إذا قرأه القارئ جميعا وجده فقها ، وإذا قرأ أوائل السطور فقط وأوساطها فقط وأواخرها فقط استخرج من ذلك علم النحو والتاريخ والعروض والقوافي . ومن مصنفاته ( الروض ) مختصر الروضة فكان الاسم مختصرا من اسم الأصل ، و ( الإرشاد ) وهو كتاب نفيس في فروع الشافعية رشيق العبارة حلو الكلام في غاية الإيجاز مع كثرة المعاني . وشرحه في مجلدين وقد طار في الآفاق واشتغل به علماء الشافعية في الأقطار وشرحه جماعة منهم ، وله بديعيّة بديعة ، وله تصانيف غير هذه . وارتقى في جميع المعارف إلى رتبة لم يشتمل على مجموعها غيره ، بل قيل إن اليمن لم ينجب مثله . وشعره في الذّروة العالية حتى قال بعض معاصريه أنه أشعر من المتنبي ، ولعله بالنسبة إلى ما يأتي به في شعره من الأنواع الغريبة والأساليب العجيبة كالقصيدة التي تقرأ حروف رويّها بالضم والنصب والجرّ . ومن شعره ما يخرج من البيت الواحد وجوه تزيد على الألف وكان مع إجادته في الشعر يكره أن [ ينتسب ] « 1 » إليه حتى قال :
--> ( 1 ) في [ ب ] ينسب .