محمد بن علي الشوكاني

153

البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع

وقد انتفع الناس بصاحب الترجمة في فنون متعددة وقرأ عليه طبقة بعد طبقة وأخذوا عنه علوما جمّة لا سيما الكتب الكبيرة الدقيقة كالكشّاف والبيضاويّ وشرح المواقف وشرح المقاصد والعضد والرّضيّ والمطوّل . وانفرد بتقرير جميع ذلك من دون ملاحظة للحواشي . وقد انتفع به جماعة من الأكابر كالأسيوطي والسّخاويّ وغيرهما . وكان إماما متفنّنا متين الدّيانة زاهدا عفيفا متواضعا حسن الصّفات قويّ الإدراك . ورسم له السلطان بفرس يركبها فركبها قليلا ثم عجز ونزل عنها وتركها ، فقالوا له إذا لم تركبها فانتفع بثمنها . ولم ينفكّ الفضلاء عن ملازمته والأكابر عن الأخذ عنه ، وكان لا يكتب على الفتاوي [ ولا يجيب ] « 1 » ما فيه شهرة من الأمور ، بل غالب ما يهواه الانجماع والخمول . وقد كان عرض عليه القضاء وجاءه كاتب السرّ وأخبره أنه إن لم يجب نزل [ السلطان إليه ] « 2 » فصمّم وقال الاختفاء ممكن ، فقال له فيما تجيب إذا سألك اللّه عن امتناعك مع تعيّنه عليك ؟ فقال : يفتح اللّه حينئذ بالجواب . ولم يكن يحابي في الدين أحدا . التمس منه بعض الشباب من ذوي البيوت أن يأذن له بالتدريس بعد أن أهدى إليه شيئا ، فبادر إلى رد الهديّة وامتنع من الإذن . وقد تزاحم الناس عليه في آخر أيامه وصار شيخ الفنون بلا مدافع . وجميع الأعيان من جميع المذاهب تلامذته ومات في سابع عشر ذي الحجة سنة 872 اثنتين وسبعين وثمانمائة ولم يخلّف بعده في مجموعه مثله . وخلّف ألف دينار وذكرين وأنثى من جارية « 3 » .

--> ( 1 ) في [ ب ] ولا يجب . ( 2 ) في [ ب ] إليه السلطان . ( 3 ) بعد ترجمة أحمد بن محمد بن محمد المعروف بالشّمني في الهامش ما نصّه : الشيخ أحمد ابن محمد بن يونس بن الأستاذ أحمد الدجاني بن عليّ بن الحسن بن حسين المقدسيّ الأصل المدنيّ المولد والوفاة المعروف بالقشّاشي ، ترجم له الشيخ إبراهيم الكرديّ وأثنى عليه كثيرا وذكر أنّ مولده في ثاني شهر ربيع الأول سنة 991 إحدى وتسعين وتسعمائة وأخذ عن أبيه وعن الشيخ أبي المواهب أحمد بن عليّ بن عبد القدّوس . روى -