محمد بن علي الشوكاني

130

البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع

ابن تيمية فغلب عليه بحيث صار لا يعتقد أن أحدا أعلم منه . وكانت له نفس أبية ومروءة وعصبية ، ونظر في أخبار الناس فطمحت نفسه إلى المشاركة في الملك مع أنه ليس له فيه قدم ولا له سلف في ذلك ، ولا معه مال . فلما غلب ( الظاهر برقوق ) على المملكة وحبس الخليفة رام جعل ذلك وسيلة لما حدّثته به نفسه . فغضب من ذلك وخرج في سنة ( 785 ) إلى الشام ثم إلى العراق يدعو إلى طلب رجل من قريش ، فاستقرى جميع الممالك ودخل حلب فلم يبلغ قصدا ثم رجع إلى الشام فاستغوى كثيرا من أهلها . وكان من أكبر الموافقين له ممن يتديّن منهم الياسوفيّ والحسباني ، لما ظهر من فساد الأحوال وكثرة المعاصي وفشوّ الرّشوة في الأحكام وغير ذلك ، فلم يزل على هذه الطريقة إلى أن نمي أمره إلى ( بيدمر ) نائب الشام فسمع كلامه وأصغى إليه ولم يشوّش عليه لعلمه أنه لا يجيء من يديه شيء . ثم نمي أمره إلى نائب القلعة شهاب الدين الحمصيّ وكانت بينه وبين بيدمر عداوة شديدة فوجد فرصة في التأليب عليه بذلك . فاستحضر ابن البرهان واستخبره وأظهر أنه مال إلى مقالته فبثّ إليه جميع ما كان يدعو إليه فتركه ثم كاتب السلطان بذلك كلّه . فلما علم به كتب إلى النائب يأمره بتحصيل ابن البرهان ومن وافقه على رأيه وبتشهيرهم . فتورّع النائب عن ذلك وتكاسل عنه وأجاب بالشفاعة فيهم والعفو عنهم وأن أمرهم متلاش وإنما هم قوم خفّت أدمغتهم من الدرس . واستمر ابن الحمصيّ في انتهاز الفرصة فكاتب أيضا بأنّ النائب قد عزم على المخامرة فوصل إليه الجواب بمسك ابن البرهان ومن كان على رأيه ، وإن آل الأمر في ذلك إلى قتل ( بيدمر ) فمات الياسوفيّ خوفا بعد أن قبض عليه وفرّ الحسبانيّ . ولما حضر البرهان إلى السلطان استدناه واستفهمه عن سبب قيامه عليه فأعلمه [ أن ] « 1 » غرضه أن يقوم رجل من قريش يحكم بالعدل فإن هذا هو الدين الذي لا يجوز غيره وزاد في نحو هذا فسأله عمن معه على مثل رأيه من الأمراء فبرّأهم ، فأمر بضربه فضرب هو وأصحابه وحبسوا في الخزانة

--> ( 1 ) في [ ب ] بأن .