محمد خليل المرادي

296

سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر

بقال وقيل ، فلا تبيان ولا دليل . فعرفنا أمره وقبلنا عذره . ولكنّ الأمر إليكم بذلك ، لتنوير سبيله والمسالك . لا زلتم ملحوظين بعين العناية والسلام . وكتب إليّ من طرابلس الشام جوابا عن كتاب كتبته إليه أعاتبه على انقطاع المراسلة : كاتبني سيدي الوقور ، فصرت مكاتبا برقّ منشور . بعد أن صيّرني في شكره أسير ، فلم أقدر من قيده أن أسير . وأبرز لي أبكار معاني ، على منصّة مباني ، في مداركها قصور ، حيث كانت حورها في قصور . فأرتني كيف انقياد الفقر لأولي البصيرة والبصر ، ومدت لي من فصاحتها رواقا ، وشدت عليّ من بلاغتها نطاقا . وجمعت ما بغيرها تفرق ، ومزقت شمل المضاهي كل ممزق . كيف وقد ظهرت في تعاليها خرائد ألفاظها وفرائد معانيها ، معطرة بطيب الأنفاس ، متسربلة ببردي المطابقة والاقتباس . لا زال سائرا بذكرها أرباب اللسن في المسايرة ، واقفا دون اشتهارها الأمثال السائرة . هذا وإن العجز أقعدني عن الجواب ، والقصور أوقفني في الأعتاب . غير أن هذا الحقير الذليل يعرض بين يدي المولى الجليل ، نبات فكر عليل . يروم لراحته التقبيل . مذ سهم حبي قد أصاب وماسا * ناديت صحبي قد أصاب وماسا لو صيغ لي درر المديح قلائدا * لوجدت لفظ هجا خليلي ماسا ثم تطفّلت على باب البيت المعمور ، في الرق المنشور ، بإلباسه مرط تشطير ، محاكاة للنظير . وكنت أظن أن جبال رضوى * تحول ولا تفوه بما تقول لظني بل لعلمي أنّ نفسي * تزول وأنّ ودّك لا يزول على أني بعد تسليم الدعوى . كنت منتظرا ما أشار إليه المولى ، من ذكر تاريخ المواليد كالوفاة ، على منوال ما كتبه المولى وارتضاه . وقد عز علي بذكر النظير ، فكان سببا للتأخير . فنرجو عتذارنا القبول . كما هو في جناب المولى مأمول . والدعاء له مبذول . ومني على تلك الطلعة أشرف تحية والسلام . ما ناح قمريّ وغنّى حمام . وكتب إلي : عنوان كتاب الدّهر ، في غرة وجه العصر . الجاذب بأيادي لطفه عنان الأفئدة . والكاشف بمبادي عرفه عن كل مشكل عقده . من تزاحمت على حسن منظره وفود الأبصار ، وتلاطمت من فيض مخبره متون البحار . وامتلأت حقاق الآذان من حسن سيرته ، وصحاف صدور الأقران من صدر شريعته . حيث آثاره تشوّق الأسماع إلى فواكه آدابها في طرسها ، وتحقيقاته تسعى لها أقلام الفتاوى على رأسها . فلا غرو إن أضحت رياض المعالي لها مقيلا ، وأمست غرر المعاني له خليلا . لا برح متسربلا بثياب جدّه ، التي ورثها عن أبيه وجدّه . هذا وإنّ هذا الداعي القديم ، الذي هو على