محمد خليل المرادي
276
سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر
ولد بغزة هاشم في سنة تسع عشرة ومائة وألف ، ونشأ بها ، وقرأ القرآن العظيم وبعض المقدمات في النحو والفقه على الشيخ محمد العامري . وفي سنة ثلاث وأربعين ومائة وألف رحل إلى بغداد وقصد الحج . فدخل المدينة المنورة وأقام بها ثلاث سنين ، وحفظ القرآن وجوّده في تسعة وعشرين يوما . ثم رحل إلى مكة سنة سبع وأربعين وحجّ ، ثم رجع إلى بلده غزة في سنة تسع وأربعين ، ولم يمكث بها إلا برهة وذلك لأنه لم يكن له ما يقوم به ، لأن أباه كان حائكا وكان فقير الحال كثير العيال ، فلما رجع ابنه المترجم لم يجد ما يقوم به ، ووجد أخاه فقيرا وعليه غرامات سلطانية لا يقوم بدفعها إلّا بعد الجهد والنكال ، فلم يستلذ المترجم بالإقامة فيها فكر راجعا على عقبه إلى مكة المشرفة من عامه . وفي سنة خمسين ومائة وألف أخذ عهد الخلوتيّة بمكة المشرفة عن الأستاذ السيد مصطفى البكري ، وأسمعه وحدة الوجود لمنلا جامي سماع بحث وتقرير ، فحصل له ببركة الأستاذ غاية الفتوح . وفي سنة إحدى وخمسين توجّه من مكة المشرفة إلى البلاد اليمنية . فدار في مدنها سبع سنين . وفيها قرأ على الشيخ العلامة إسماعيل بازي ، أحد القراء الذين أخذوا عمن أخذ عن العلامة ابن الجزري . ثم رجع إلى مكة المشرفة ومكث فيها سنتين . ثم رجع إلى اليمن وحظي بها بالإمام وأقاربه بسبب القراءة ، لأنه كان يقرأ للأربعة عشر ، قراءة تحقيق وإتقان . واشتهر هناك وضاع صيته للأخذ عنه ، وتسرى بجارية حبشيّة ورزق منها أولادا . ثم في سنة ثمان وستين عزم على الرحيل ، وتوجّه من اليمن إلى مكة المكرمة وحج . ورجع إلى وطنه الأصلي غزة ، فدخلها سنة تسع وستين ومائة وألف ، وكان وإليها إذ ذاك الوزير حسين باشا ابن مكي ، فأنزله على الرحب والسعة ، وصار يتردد على ابن شيخه السيد مصطفى البكري ، وهو شيخنا أبو الفتوح كمال الدّين ، وقرأ عليه حصّة من شرح الفصوص وحصة من شرح التائية الفارضية للشيخ عبد الغني بن إسماعيل النابلسي ، وحصّة في علم الفرائض قراءة مذاكرة وتمرين ، واستجازه بالرواية عنه فأجازه ، وأعطاه يوما أبياتا له في مدحه وهي قوله : وقائلة والدمع منّي غزيرة * يشابه مرجان البحور انهماله عليك ببكريّ يسرّك وجهه * وإن كنت محتاجا يفيدك ماله له رتبة في ذروة الفضل قد سمت * فيا ليت لي يا صاح فينا كماله إليك عظيم الوجد أشكوه سيدي * فباللّه خبرني فديتك ماله ؟ أراك لذي الدنيا غياثا لأهلها * وللدّين يا بن الأكرمين كماله وبقي إلى سنة ثمان وثمانين ومائة وألف . فمرض بها ومات . رحمه اللّه تعالى .