محمد خليل المرادي
249
سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر
يشاء . فعلم الحرف يؤخذ منه ، والتصرف فيه يروى عنه . وعلم الكاف ألقى إليه بالمقاليد وصيّره من جملة العبيد . فإذا بالسواد تعمم وأخذ يتكلم . نسج حبرا وجرى في كل فن بما جرى . ورد المشيب شبابا . وخلّد المحاسن أحقابا . وجاد بكف سائل . لا تنقطع منه الرسائل . فلو لم يكن في كفه غير نفسه * لجاد بها فليتق اللّه سائله وله في كل مقام مقال . وفي كل مقال مقام . لم يدع فكرة إلا نقدها أو انتقدها أو اعتقدها . وربما طلب منه المراد فعثر . ويقل ذلك منه بل يكثر . يزين الصفحات الغرر ، كما تزين الحياة بالطرر ، والعيون بالحور ، والخدود بالعذار الأخضر . وله عين صادية ، وريقة مسكية ، وذابل عامل ، وعامل ذابل . تلقاه إن بان عذاره بدت أعذاره . يحجل بالأدهم فيريك انسلال الأرقم . فإذا استقبل مهبّ الهوى أقلع عما إليه هوى . وإذا ضرب على قرنه ومات أحيا العظام الرفات . يتولى تقاليد الملوك مع أنه فقير صعلوك . ويطبع الأشكال على منوال وغير منوال . لم يزل من تكليم موسى على وجل . ومن إلقاء الواحد في خجل . وله المنشآت المشحونة بالبدائع ، التي ذكرها شائع ذائع . فلو أقسم أنه من القرآن لما حنث في الأيمان . فإذا اشتد القرّ ، وتجهّم وجه العبد والحر وأنشد : أصبح البرد شديدا فاعلمي * بات زيد ساهرا لم ينم تحامى عن اللّمس ، أو أن يشار إليه بالأنامل الخمس ، مع سلبه الاختيار ما دام الفلك الدوار . فطالما قال وهو يقدم رجلا ويؤخر أخرى : أما وأسطار سطرن سطرا ، أنف في الماء واست في السماء . إذا تذكرته أقبل عليك . وقبّل بالخضوع راحتيك . وإذا أغضيت عنه قلاك . ونسي ما هناك . وادعى العجز عن النّهوض ، عن القيام بالسنن والفروض . يقبل الرشوى وليس هو من أمة الدعوى . إذا سرى دب دبيب الكرى . ربته الأيدي حتى مهر ، وأتى بما به بهر . فأصمت به مواقع أغراضها . وذبّت بشباته عن أعراضها . فإذا ارتفع انتصب ، وإذا انتصب ارتفع . وإذا طال وصف القلم . واللّه بذلك أعلم وصلّى اللّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . وللمترجم في الهجو : يا بن الذي في قعره علل * وأمّه للأنام تفتعل وفيك حقا يضرب المثل * أبوك ثوم وأمّك البصل وكان أحد تجار دمشق ، ويعرف بابن شحاده ، وعد المترجم بشيء من العود ، ثم ماطله به ، فأرسل للمترجم بعض أصحابه شيئا من العود ، وكان المرسل سعيدا ، فنظم هذين البيتين