محمد خليل المرادي

224

سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر

وأقام في القدس المشرّفة يتنقّل من زيارة إلى أخرى مطرفة ، وهو في تأليف وتصنيف وإرشاد إلى رب العباد ، إلى أن دخل شوال سنة خمس وأربعين . فعزم على الحج المبرور . وتوجه مع رفقائه . وأجلهم حسن بن الشيخ مقلد الجيوشي شيخ ناحية بني صعب في جبال نابلس إلى منزلة المزيريب ، ومنها إلى مدينة الرسول . فنال أسنى مراد ومأمول . ثم إلى مكّة المشرفة . وقضى مناسك الحج ، وعاد صحبة الحج الشامي . وصحبه إلى القدس الفاضل العالم الشيخ محمد بن أحمد الحلبي المكتبي . ومكث عنده نحو أربعين يوما . وأدخله إلى الخلوات ، وأفاض عليه كامل الثبات . وكان لقّنه بعض أسماء الطريق ثم أتمها هناك . وأجاز له بالبيعة للغير . وأقامه خليفة يدعو إلى اللّه . وفي سنة ثمان وأربعين ومائة وألف سار قاصدا للبلاد الرومية . فمر على البلاد الصفدية ، ومنها على دمشق ذات الربوع الندية . ووصل لدار السلطنة في رابع عشر جمادى الأولى . وأقام فيها يجتمع بالأحباب والخلان ، خصوصا السيد التافلّاتي المصان . ثم توجّه منها إلى إسكندرية بحرا فوصلها في ثمانية أيام ، ومنها ذهب إلى مصر ، وبعد أن استوفى الزيارات بمصر عزم على المسير إلى الشام فدخل بيت المقدس غرة شهر رمضان . وكان له بنت فرآها مريضة ، ولم تطل إقامتها بل انتقلت إلى الجنة العريضة . ولهذه البنية أخبار كثيرة ، ووقائع في بعض الرحلات شهيرة . ولم يزل مقيما إلى أن دخلت سنة تسع وأربعين فعزم على الحج . وفي أثنائها توجّه إلى أرض كنانة . وصحبه جمع كثير . وظهرت كلمته في تلك الأقطار . ولما بلغت تلامذته مائة ألف ، أمر بعدم كتابة أسمائهم وقال هذا شيء لا يدخل تحت عدد . ثم حجّ ورجع إلى دمشق . وكان وإليها إذ ذاك الوزير الكبير المرحوم سليمان باشا العظمي « 1 » ، وحين وصوله إلى دمشق تلقاه وجوه أهلها ونزل قرب الخانقاه السّميساطية . وبعد أيام تحوّل إلى الديار البكرية وأقام بها ثمانية أشهر . ثم رحل إلى نابلس فمكث بها أحد عشر شهرا . وفي شوال سنة اثنتين وخمسين توجّه إلى الديار القدسية . ولم يزل بها إلى سنة ستين ومائة وألف . فسار إلى مصر متنقلا في البلاد الكنانية والساحل الشامي ، فوصل مصر واستأجر له الأستاذ الحفناوي دارا قرب الجامع الأزهر عن أمر منه بذلك . وعندما وصل إلى قرية الزوابل تلقاه الأستاذ الحفني المذكور ومعه خلائق كثيرون من علماء مصر ووجوه أهلها . وأقام هناك وهو مقبل على الإرشاد ، والناس يهرعون إليه مع الازدحام الكثير ، حتى إنه قلّ أن يتخلّف عن تقبيل يده جليل أو حقير ، إلى أن دخل شوال سنة إحدى وستين ، فعزم على الحج . وكان قدّس سره بجمع الكثرة مشهورا ، وكان

--> ( 1 ) سليمان باشا بن إبراهيم بيك العظم ، حكم دمشق سنة 1144 ه واستمر واليا عليها حتى عزل عنها سنة 1151 ه .