محمد خليل المرادي

205

سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر

وخصّه به من بين أبناء العصر كلمات تتدكدك لها الأطواد ، وتتفطّر بسببها الأكباد . قد انقصم منها ظهري ، وقلّ على تحملها صبري ، فلا ألوم إلا حظي الذي لا ينبهه ضجيج يوم القيامة ، ولا أبكي إلا على ما وسمني به الدّهر من هذه العلامة . حتى ظنّت بي الظنون . فإنّا للّه وإنا إليه راجعون . ولو أن ما بي بالجبال لدكدكت * أو الصخرة الصلداء لم تتجلّد ولما بصر بي مولاي متوجها على طريق الجبل . ظن أن معي من أهل الوبال والخبل - وأعيذ ظنه الجميل أن يشوبه إلا صدق الفراسة - فو اللّه يا سيدي لم يصحبني إلا رجل من ثعلبايا - قرية الأستاذ الشيخ محمد مراد - يقال له أبو خالد . أثقل من رضوى ، وأبرد من الجمد البارد . ورجل آخر من أعراب البادية ، الذين هم كالسباع الضارية . منازلهم عند القيصوم والشيخ . ولا يعرفون إلا حداء الإبل ، وعندهم ذلك مكان التسبيح . قد جرّدهم الدهر فلجئوا إلى الجرد . وأقاموا ببادية ظنوا أنها جنة الخلد . أعزّ شيء في أبياتهم الزاد ، فإذا سمعوا به حسبوه من عتاد المعاد . أقمت فيهم على جوع يحرق الأكباد ، وبرد يجمد الماء في المزاد أياما بعدد شهور السنة ، لا أذوق فيها السّنة « 1 » . ولي فيهم شريك أشأم من ناظر على وقف ، وله بيت كبيت العنكبوت ، خال من الدثار والقوت . فما نابني إلا معاناة متاعب ضاق بها عليّ واسع الفضا ، وشبّ في جوانحي منها جزل الغضا . وأعظم منها بلاء ما بلغني من هذا الأمر الفظيع ، والخطب الذي تضع له الحوامل ويشيب الرضيع . فو اللّه الذي لا إله إلا هو ما أحببت في عمري رافضيا ولا عددته لي معينا ولا وفيا . فصبرا على ما حلّ بي من هذه الخطوب . وأستغفر اللّه وإليه أتوب أن أقلّ ركابي في سفرة ثانية ، ولو مضنى البؤس في هذه الفانية . رأيت اضطراب المرء والجدّ عاثر * كما اضطرب المخنوق في حبل خانق جعل اللّه أيام مولاي سامية ولياليه ، ومستقبله خيرا من ماضيه . وأبتهل إلى اللّه أن يمدّ في عمر مولاي على طول الزمان ، في مسرة وأمان . إنه على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير . انتهى . ولما قتل الوزير أسعد باشا العظم والي دمشق وأمير الحج الشامي أشقياء الجند بدمشق « 2 » ، كان ممّن قتل ولد صاحب الترجمة ، ونهبت داره ، واضمحلّ حاله ، وتراكمت عليه الأمراض . ولم تطل مدته ومات . وكانت وفاته في سنة ستين ومائة وألف . ودفن بتربة مرج الدحداح . رحمه اللّه تعالى .

--> ( 1 ) الرقاد والنوم . ( 2 ) كان هذا يوم 22 صفر سنة 1159 ه . حوادث دمشق اليومية للبديري / 66 .