محمد خليل المرادي

153

سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر

الذكر . واعتقدوه . وصار له تعظيم وتبجيل . ثم استقام بها بمحلّة أبي أيوب الأنصاري - قدس سره - مقدار خمس سنين . وفي سنة سبع وتسعين عاد إلى دمشق . فبعد مدة قصد التوجّه إلى الحجاز إلى مكة المكرمة ثالث مرة . وكان ذهابه في غير وقت الحج . بل ذهب وحده هو ومن معه بلا قافلة إلى أن وصل إلى هناك . وجاور سنة واحدة وعاد إلى دمشق . ثم حجّ في سنة تسع عشرة ومائة وألف رابعا وعاد إلى دمشق أيضا . وكان في دمشق معتقدا ملاذا مفيدا مكرّما مكرّما . تحترمه أهاليها وله مزيد من التعظيم عندهم . وكانت الحكام تهابه وهو مقبول الشفاعة عندهم . وكان موقرا . وأخذ من السلطان مصطفى خان قرى بدمشق إقطاعا بمال يدفعه للخزينة الميرية في كل سنة . وهو الآن المعروف بالمالكانات . وكان الجد أول من وجّه له ذلك بهذه الطريقة ، وهي الآن علينا . وصار له تعظيم وافر . واجتمع بشيخ الإسلام إذ ذاك العلامة الكبير المولى فيض اللّه . ورفع المترجم عن أهالي دمشق مظالم عديدة . وكان قوالا بالحق ناصرا للشريعة ، مسعفا من ظلم ، مساعدا لأولي الحاجات غاية المساعدة . ومن آثاره بدمشق المدرسة المعروفة به . وكانت قبل ذلك خانا يسكنه الفسق والفجور . فأنقذه اللّه من الظلمات إلى النور . وشرط في كتاب وقفه أنه لا يسكنها أمرد ولا متزوج ولا شارب للتتن « 1 » . وكذلك بنى مدرسة في داره بمحلة سوق صاروجا وتعرف بالنقشبندية البرانية « 2 » مع مسجد كذلك هناك . وكان كثير الصّدقات مسارعا إلى القربات . وله من التآليف : المفردات القرآنية في مجلّدين تفسير للآيات . وجعله باللغات الثلاث . أولا بالعربية ثم بالفارسية ثم بالتركية . وهو مشهور بين علماء الروم وغيرها . وله رسائل كثيرة في الطريقة النقشبندية ، وتحريرات ومكاتبات . وكانت وفاته في قسطنطينية في ليلة الثلاثاء ثاني عشر ربيع الثاني سنة اثنتين وثلاثين ومائة وألف . وصلي عليه في جامع أبي أيوب خالد الأنصاري رضي اللّه عنه . ودفن في درسخانة المدرسة المعروفة في محلة نيشانجي باشا . ورثي بالقصائد الكثيرة العربية والتركية . ومن ذلك ما رثاه به تلميذه الشيخ أحمد المنيني مؤرّخا وفاته حيث قال : غوث البرايا مرشد العباد في * سنن السلوك إلى مناهج قربه بحر الحقيقة والشريعة من سرت * أنواره في الأفق مسرى شهبه إنسان عين الوقت كامله الذي * يمّ المعارف قطرة من سحبه

--> ( 1 ) التبغ ، الدخان . ( 2 ) هي جامع البخاري ، بنيت سنة 1108 ه .