محمد خليل المرادي

113

سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر

إزاره ونشر العلوم العقلية والنقلية للطلاب . وكان وعظه يلين القلوب القاسية . ويأخذ بنواصي النفوس المقاصية . وكان حاله الرباني غالبا على حاله العرفاني . راغبا في الخيرات ، مكثرا للبر والصدقات . تشرّبته قلوب الخواص والعوام . وكان أمارا بالمعروف نهاء عن المنكر ، يغلظ على الحكام ، مؤيّدا للسنّة في أقواله ، متّبعا لسبلها في أفعاله . كثير الحب للفقراء والمساكين ، مقبلا على زوار المسجد الأقصى والمتقربين . قد لبس جلباب التواضع ، وخلع خلعة النفسانية والعصبية . وهو بإقامة مولاه راض . اجتمعت على حبه العامة ، فكلامه عندهم لا يتوقّف فيه أحد من خاصة ولا عامة . واشتهر أن دعوته مستجابة . ومن ذلك أنه أرسل إلى بعض العرب وقد أخذوا الزيت الذي كان محمّلا على بعير ، وحمارة للشيخ محمد . يقول له : البعير بالأمير والزيت بصاحب البيت والحمارة بغارة . فما أصبح الصباح حتى وقع ما وقع بعين ما قال . وخلت الديار من الفجار . ومن ذلك أنه دعا على رجل بالشنق فشنق نفسه بنفسه . بأن وضع مخدات تحت قدميه ثم وضع الحبل في عنقه وأزاح المخدات إلى جهة الخلو ، فكان حتفه أنفه . ومن ذلك أنه دعا على النعامرة حين آذوه في طريق السيد الخليل عليه الصلاة والسلام بالنار ورجم الأحجار . فما زال بهم رمي الأحجار وحرق النار في بيوتهم بالليل والنهار حتى أتوه واستعفوه ، فعفا عنهم . وختم كتاب البخاري مرارا في حضرة سيدنا الكليم موسى ابن عمران « 1 » عليه الصلاة والسلام . وأمده ذلك النبي بمدده الموسوي الفائض الهتّان . وحين ختمه أنشد فقال : حمدا وشكرا لربّ أجزل النعما * ثم الصلاة على من قد أزال عمى وآله ثم صحب مخلصين بما * قد أسّسوه لدين اللّه فانتظما على البخاري وأشياخ له نقلوا * سحب المراحم تهمي الغيث منسجما هذا البخاري بحمد اللّه خالقنا * في روضة لكليم اللّه قد ختما لأنّها من جنان الخلد منشؤها * أزهارها تذهب الأحزان والألما ومعدن الحبّ فيها والأمان بها * فتذهب الهمّ للمهموم والسّأما ما جاءها قط مهموم فعاد به * بل المسرات ممن أبدع النّسما وهي تسعة وأربعون بيتا . وكان قرأ البخاري أيضا لما زاره حضرة خليل الرحمن وأولاده سكان الغار منهل الظمآن . وعند ختمه أنشد قصيدة ابتهالية تتضمن مدحا للبخاري وهي هذه :

--> ( 1 ) يقال إنه مدفون شرقي القدس ، وقد زاره الشيخ عبد الغني النابلسي ، وقدم أوسع وصف له في الحضرة الأنسية / 208 حتى 213 .