محمد خليل المرادي
262
سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر
محلّ ما ارتقى أحد إليه * ولا حظيته همّة ذي ارتياد ثم توجّه للحج وهو مراهق دون البلوغ ، في صحبة والدته وابن عمه الشيخ عبد الرزاق في سنة اثنتين وخمسين وألف ، واختتن في المدينة المنورة ، واتفق أنه رأى النبي صلّى اللّه عليه وسلم في المنام وهو في الحرم الشريف النبوي قبل أن يحج ، وحوله جماعة فقال له صلّى اللّه عليه وسلم : يا علي تحج في تلك السنة وتولى نقابة الأشراف بحماة وحمص . وعمل له شيخه الشيخ يحيى الحوراني تاريخا وقصيدة ، فالتاريخ قوله : لمّا تصدر في النقابة أرّخوا : * سعد النقابة في علي الكيلاني وذلك في سنة سبعين وألف ، واستقام نقيبا في ذلك ، إلى أن توفي ابن عمه الشيخ إبراهيم بن الشيخ شرف الدّين ، وجلس على السجادة القادرية في البلاد الشامية ، وذلك سنة اثنتين وثمانين وألف ، فأقام بها على أحسن قيام وأتمّ نظام وسلوك تام كأسلافه الماضين ، وآبائه السراة الصالحين ، من إقامة الأذكار وقراءة الأوراد في العشي والإبكار ، وإلباس الخرقة ، وسلوك الطريق ، والدعاء إلى اللّه على بصيرة ، وتحقيق وتربية المريدين ، وإرشاد الطالبين ، وإكرام الضيوف والواردين ، وإطعام الطعام ، وإكرام القصّاد والزائرين . وفي سنة تسعين وألف ، قدم دمشق حاجا هو وعياله وأولاده وأتباعه وخدّامه ، واستقبله أهالي دمشق وأعيانها بمزيد التوقير والاحترام ، وسعوا إليه وتردّدوا إلى منزله . ولم يبق أحد من العلماء والأجناد والمشايخ ، إلا وأتى إليه ، وامتدحوه بالقصائد الغر ، وامتدحهم . وعمل رحلة رأيتها وطالعتها ، ذكر فيها من اجتمع به منهم . ووالي دمشق إذ ذاك الوزير عثمان باشا ، حصل له منه مزيد التبجيل والإكرام ، وكذلك قاضيها المولى الفاضل مصطفى الأنطاكي ، وحجّ في تلك السنة وكان أمير الحج خليل باشا ، ابن كيوان ، ورجع إلى وطنه حماة . وسافر لطرابلس الشام ، وإلى حلب غير مرّة ، وفي كل بلدة يحصل له مزيد الإكرام ، وكان أديبا ناظما ، وله ديوان يجتمع على تغزلات ومدائح ومقاطيع وألغاز وقصائد مطوّلة ومعميّات ودوبيت . وبالجملة ، فقد كان شيخ الشيوخ ، وقد رأيت ديوانه وذكرت منه ما رقّ وطاب . فمن ذلك قوله ، كتبه لأخيه الشيخ إبراهيم حين كان ببغداد وتولى النقابة بها ومطلعها : يا عريبا حلّوا حمى الزوراء * أنتم داء علّتي ودوائي قد فرقتم ما بين جسمي وقلبي * حين فارقتكم وعزّ لقائي من أقاصي الحشا سلبتم فؤادي * ورقادي من مقلة قرحاء فانعموا لي برد عيني لعلي * أن أرى طيفكم محل غفاء إن نأيتم عن العيون دنيتم * من ضلوعي وداخل الأحشاء