محمد خليل المرادي

255

سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر

والنهود . ويتنشق من آس العذار شميم نعمان وزرود . إذ خاطبه أهواؤه بالنبإ العظيم : تمتّع من شميم عرار نجد * فما بعد العشية من شميم فتزهّد عما سواه وتنسّك ، واعكف عليه وبمسكه تمسك . يا لها حلية يستحسنها القيان . وتصبغ أصداغها بالغوالي بها ألوان . وهي بين النكريش والخالي برزخ لا يبغيان . فلو رأيته وقد غلف بالمسك أصداغه فأبدى محاسنه ، ونبه عيون عاشقيه وعنهم محاسنه . لقلت هل يحسن الروض إلا بأزاهيره . والخز إلا بزبيره ووثيره . ويقال الأمرد الصبيح إذا نقش الخط فصّ وجهه وأورق فضة خده . فقد تم طراز حسنه وتساقط المسك فوق أحمر ورده . وقال بعض من تهتّك بالعذار وبحبه اشتهر : خط الوجه الحسن كالسواد في القمر : عذاره زاده جمالا * تمّ به الحسن والبهاء لا تعجبوا ربّنا قدير * يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ « 1 » وعلى قراءة يزيد في الخلق . فهو زيادة بها التقديم يستحق . وقد جاء وصف العذار بالحسن في حديث من ساد المخلوقات ورأس ، قال الفقر أحسن بالمؤمن من العذار الحسن على خد الفرس . فإذا زان العذار خد الحيوان فبالأولى أن يزين خد الإنسان . فهو زيادة وزينة بالنص والقياس ، وبها يردّ على من يقول طلوع العذار بلوغ سن اليأس . بل هو تجديد محبة . وستر الصحبة وزي النقبة . ورعاية المحبوب محبه . ورياضة الأخلاق . ونزهة العشاق . ومسك ذرّ على شقائق وريحان . يؤذن بريّ حان . وجميعة ألوان . وذواتا أفنان . وورد حفّ بآس . من شمه لم ير لداء غرامه آس . وهو دائرة ملاحة من الجامع السوّ هي مفروضة . أو هالة حسن بشرت بعارض وصل فيها معروضة . وخيال جفونه على صفاء خده الخالي ، أو السعد وفّى حواشيه الخوالي . أو معنى تصوّره تعذّر . يخفى تارة وتارة يظهر ، أو هو اللام التي رضي تشبيهه بها أرباب السيوف والأقلام ، وعدو التورية بها من بديع الكلام . ومن يقول المعذر مهجور ، وقد صار من أهل الشعور ، أحبب به نماما نمنم شعرات الحسن ، وهاك ما تكل عن وصفه ألسن اللسن . وخارجا مع ضعفه ادعى ملكية أنصار الجمال ، نازع نعمان الخد في أسود الخال . قائلا هذا عبدي . وسرق لونه من عندي ، أبق مني وأنا عليه دائر . وبالمشاكلة نتحاكم فيه إلى أسود الناظر ، فقضى عن النعمان بالملكية ، واحتج بأن مذهبه حجّة الخارج بالملك قوية ، فاعجب لضعيف غلب قويا ، وأشعريّ صار حنيفا . وتأمل كم للقوم تشبيه ، وكم تورية وتوجيه ، والذكي هذا القدر يكفيه ، ولما بلغ خالي العذار . ما قيل فيه من المدائح والأشعار ، داخله الزهو والكبر . وعطس بأنف النمر ، واستطار غضبا واستطال ، وأنشد بيت ضمرة بن هلال :

--> ( 1 ) سورة فاطر ، الآية : 1 .