محمد خليل المرادي
235
سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر
يقبل الرشا والجرائم ، مع أن يده كانت طائلة إلى ما يشتهيه . ومع هذا إذا توفي أحد وخلف ولدا وكانت عليه وظائف كثيرة ، يجتهد بعملها لولده ، ولا يفرط بعثماني واحد إلى الغير . ويحسن للفقراء والأغنياء بالتواضع والبشاشة وصفاء الخاطر والإحسان لمن يسيء إليه ، والملاطفة مع الكبير والصغير والغنيّ والفقير . ومجالسه دائما مشحونة بالأفاضل والعلماء والأدباء ، والمسائل دائما تجري بمجلسه ، والمطارحات والمساجلات الشعرية ، ولا غيبة في مجلسه ولا نميمة . وأنا إذا أردت أصفه لا أنصفه ، ولو أنني جعلت الأيام طروسا ورقمتها بمداد سواد الليالي لا أوفي بعبارة ولا في إشارة . وله شعر كثير فمن ذلك قوله من قصيدة مطلعها : ذكر الأحبة يا سعاد يحبّب * وبذكر أهل القبلتين أشبّب فعلام قلبي قد يطوف بحانة * ضاءت بها شمس عليها أكؤب قد زانها الساقي فجانس خده * لونا لها قد لذّ فيه المشرب آه على زمن تقضى برهة * لم أدر أن البعد فيه يعقّب في روضة لعب النسيم ببانها * وبدت حمائمها تهيم وتطرب متجوزا فيه الغدير كأنه * نهر المجرة في صفاه كوكب حصباؤه درّ تضيء بصفائه * وبحافتيه الورد عطر أطيب والزهر قد ضاءت بأفق سمائها * في روضها الفضفاض ذاك محبّب والترب فاح وقد شذاه عطره * من نفحة الفياح عرفا طيب ولطالما الحادي يسوق بعيسه * ليلا وبدر الأفق كان يغيّب ويحث بدنا للوصول لروضة * من نورها السامي أضاءت يثرب بلد بها خير الخلائق طيب * سمع الصلاة لمن له يتقرّب ويردّ في حال السلام لوارد * واللّه يعلم ما بذلك يحجب وله مقام قد علا عن غيره * في موقف قد عزّ فيه المطلب وله من قصيدة حين ختم درس الهداية في السليمانية : من ذكر نجد يا حبيب فردد * وبوصف من حلّوا هنالك فأنشد حيث الأراك على الغدير مخيم * وعليه غرّد طيرها بتردّد حيث الصبا مرت على سكانها * فتحمّلت طيبا وعطرت الصدي فتعطّر المشتاق من نفحاتها * وبها يحنّ إلى الديار وأنجد