محمد خليل المرادي

223

سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر

ومعرفة القوانين العثمانية ، ومهر في ذلك حتى صار يشار إليه بالبنان . وتلقّب بعلوي ، على قاعدة شعراء الروم والفرس ، وله أشعار كثيرة باللسانين وفي العربي أيضا . ثم إن أباه خرج برتبة الخواجكانية ، وابنه المرقوم باق في داخل السرايا ، فلما أخذ التزام حمص استأذن لابنه أن يكون بصحبته ، فلما وصلا لحمص مرّ عليهم حسين باشا والي الشام وأمير الحاج ، المعروف بصاري حسين باشا ، فطلب المترجم الإذن من والده للحج . فقال الوزير المشار إليه له : أنت كابني وأنا أحتاج لمثلك . فجعله كاتب خزانته ونال الحج صحبته . وبعد ذلك عاد للدولة لخدمته المعيّنة له ، ثم دخل خاص أوضه وترقى إلى أن صار ركابدار للسلطان محمد خان ، متقربا إليه غاية التقرب . ثم طلع بجلوس السلطان سليمان خان في سنة تسع وتسعين وألف برتبة الخواجكانية ، على قاعدة الأروام بمنصب الوقوفات ، بعد أن عرض عليه رتب سامية فلم يرض إلا بالخواجكانية المرقومة ، وهي رتبة متعارفة بين رؤساء الكتّاب في الدولة . وسافر الأسفار السلطانية وتقرب للسلطان مصطفى خان بحيث لم ينفك عنه في غالب الأوقات ، خصوصا في زمن السفر ، ونال بذلك رفعة تامة ، وصار تذكره جي الديوان أول وثاني ، وباش محاسبه جي وغيرها . وكان ثلاثة من الكمالات متعاصرين في ذلك الوقت تضرب بهم الأمثال . أحدهم رامي محمد باشا ، كان صدرا عظيما حين جلوس السلطان أحمد خان سنة خمس عشرة ومائة وألف ، والثاني المترجم المذكور ، كان رئيس الكتاب إذ ذاك ، والثالث نابي يوسف الرهاوي ، الشاعر المنشئ المشهور ، كان من الخواجكان . ثم لما صار الجلوس الأحمدي المذكور ، كان المعسكر السلطاني في أدرنة ، فلزم الأمر اختفاء المترجم مقدار ستة أشهر ، حتى سكنت الفتنة « 1 » . ثم ظهر ونفي إلى مكان يقال له بغجه أطه ، مدة ستة أشهر ، ثم عفي عنه وأعيد إلى إسلامبول ، وصار أمين الشعير السلطاني ، وذلك في سنة إحدى وعشرين بعد المائة . ولما صار الوزير إبراهيم باشا المقتول صدرا أعظم ، وصاهر السلطان أحمد ، أظهر بعض قوانين في الدولة ، وصار ينفي الرجال القدماء في الدولة ، ومن جملتهم أحضر المترجم المذكور على حين غفلة ، وألبسه خلعة دفتر دارية الشام ، وأمره أن يأخذ حريمه وأولاده ويقطع العلاقة من إسلامبول أذيّة وإضرارا له ، وكان ذلك في سنة تسع وعشرين ومائة وألف . فجاء إلى الشام ، وضبط المنصب إلى سنة ثمان وأربعين ، وتحلّل له مرتين . ثم في السنة

--> ( 1 ) هي فتنة مقتل شيخ الإسلام فيض اللّه أفندي ، وتنازل السلطان مصطفى سنة 1115 ه انظر : يوميات شامية / 72 وما بعد .