محمد خليل المرادي
199
سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر
وكانت وفاته بطرابلس سنة إحدى وعشرين ومائة وألف . ودفن بها رحمه اللّه تعالى ، ورحم من مات من المسلمين . عمر بن محمد البصير المصري « 1 » - 1137 ه عمر بن محمد البصير الشافعي المصري ، نزيل حلب المقرئ المتقن العارف باختلاف القراءات ووجوهها ، النحوي الكامل العالم العامل . قدم حلب في سنة خمس عشرة ومائة وألف . فاعتنى به الرجل الخير مصطفى الكردي العمادي ، وأنزله في المسجد الذي تحت الساباط في أول زقاق بني الزهرا ، ويعرف قديما بدرب الديلم بالقرب من داره . فكان يقرئ القرآن العظيم في المسجد المذكور . وكان حديث السن وقد جمع اللّه فيه المحاسن والكمالات . انفرد بحسن الصوت والألحان الشائقة ، والعلم التام بتحقيق التجويد ، ومخارج الحروف والإتقان ، وسرعة استحضار عند جمع وجوه القراءات ، وطول النّفس . لكنه كان ضنينا بتعليم القراءات السبع ، لم يقرئ أحدا بذلك . وكل من طلب منه الإقراء بغير قراءة حفص يسوّفه ويماطله ولا يقرئه . أخبر تلميذه المتقن ، عمر بن شاهين إمام الرضائية قال : حفظت عليه القرآن العظيم وسني اثنتا عشرة سنة ، والتزمت خدمته ، وكنت أقيم أكثر أوقاتي عنده ، ويأخذني معه إلى القراءات ، وكنت أقوده إلى مكان يريده . وكان يتفرس فيّ النجابة . وبعد القراءة يعلمني الألحان من رسالة كانت عنده ، ويعلمني كيفية الانتقال من نغم إلى نغم ، ويقول : إن ذلك يلزم من كان إماما وأنت ربما تصير إماما . وكان يعلمني قراءة التحقيق والترتيل والتدوير والحدر والوقف والابتداء . ويباحثني في طول النفس ، لأنه كان يدرج ثلاث آيات أو أربعا من الآيات المتوسطات في نفس واحد . وكان يقرأ آية المداينة « 2 » في ثلاثة أنفاس ، من غير إخلال في الحرف ولا في مده . وكان يصلي التراويح إماما بالمولى الرئيس طه بن طه الحلبي في الرواق الفوقاني من جامع البهرامية ، ويقرأ جزءا من القرآن صحيحا بقصر المد المنفصل ، والإمام الراتب يصلي في القبلة الصلاة المتعارفة بين أئمة التراويح ، فكان يسبقه الإمام بالوتر فقط . وكان ذكيا متيقظا أذكى من تلميذه الشيخ محمد الدمياطي . قال : وجرى لي معه مرة واقعة وذلك أني أتيت يوما لأقرأ ، أو كنت لم أحفظ ما تلقيته . وألزمني بالقراءة ولم يكن ثمّ أحد غيري ، فأخرجت مصحفا صغير الحجم فظهر له أني أقرأ عن
--> ( 1 ) إعلام النبلاء 6 / 436 . ( 2 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ، أواخر سورة البقرة ، وهي أطول آية في القرآن الكريم تستغرق صفحة كاملة .