محمد خليل المرادي
177
سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر
وكانت عليه وظيفة جباية أوقاف المصريين التي بمصر فيذهب غالبا بنفسه ويأتي بها ، وبعض السنين يرسل من ينوب عنه فيها . ثم نازعه السيد علي بن جار اللّه في وظيفة الإمامة ، فسافر بسبب ذلك إلى الروم وجاء بأمر سلطاني ورفع يده عن الوظيفة ، وعدل عن التردد إلى مصر ، واستقام على حالته إلى أن مات . وكانت وفاته كما أخبرت في سنة ثمان وستين ومائة وألف . ودفن في مأمن اللّه بتربة الصلاحيّة . يرحمه اللّه تعالى . عثمان الشمعة « 1 » - 1126 ه عثمان بن محمد بن رجب بن محمد بن علاء الدين ، المعروف بالشمعة ، الشافعي البعلي الأصل الدمشقي . الشيخ الإمام العلامة الحبر المفنن النحرير . ولد قبل الثمانين وألف بقليل ، واشتغل بطلب العلم على جماعة من العلماء الأجلاء . منهم الشيخ إسماعيل المفتي ، والشيخ نجم الدين الفرضي ، والسيد حسن المنير ، والشيخ عبد القادر بن عبد الهادي العمري ، والأستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي ، والشيخ أبو المواهب الحنبلي وغيرهم . . وبرع في العلوم ، وكان له ذهن ثاقب وذكاء مفرط ، ففاق في إحراز الفنون والمعارف . وتفيأ من الكمالات في ظلها الوارف . واشتهرت براعته وظهرت سيادته . وجلس لإفادة العلوم بالجامع الأموي ، وعكف عليه نجباء الطلبة في كل فن من العلوم النافعة . فكان يقرئ في أكثر من عشرة علوم ، وفي أصول الدين والفقه وأصوله والفرائض والحساب والنحو والصرف والمعاني والبيان والبديع ومصطلح الحديث والمنطق والحديث ، مع براعته في التفسير والقراءات . ورزقه اللّه الذهن السيال والخلق الرضي والديانة التامة والعفة الكاملة والانجماع عن الناس ، والقناعة بما رزق ، وطهارة اللسان ، وسعة الصدر على طلبته مع كثرتهم ، واختلاف أفهامهم . فلم يكن يعنف بليد الذهن ولا يصدع خاطره بكلمة . بل كان يقرر له بلطف ويعيد العبارة ثانيا وثالثا إن لم يكن فهم من أول مرة . وكان جلوسه من طلوع الشمس إلى الظهر غالبا صيفا وشتاء ، ولا يضجر ولا يقوم من مجلسه ، بل إذا جئته في آخر ، وجدته في غاية النشاط . وكانت تعد هذه الحالة من كراماته . وكان يغط في جامع السنانية ، وحج إلى بيت اللّه الحرام في سنة ثلاث ومائة وألف . وارتحل إلى مصر أيضا .
--> ( 1 ) يوميات شامية / 218 .