محمد خليل المرادي
136
سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر
وهم على كلّ حال أدركوا هرما * ونحن جئناه بعد الموت والعدم ومن ذلك قول ابن السماح : صفا الدّهر من قبلي وودّ ذوي أبي * فلم يصف لي مذ جئت بعدهم عمر فجاءوا إلى الدنيا وعصرهم مضى * وجئت وعصري ، من تأخّره عصر وقال أبو جعفر المحدّث : لقي الناس قبلنا غرة الده * ر ولم نلق منه إلّا الذنابى وقال المعرّي : تمتّع أبكار الزمان بأيده * وجئنا بوهن بعد ما خرف الدّهر فليت الفتى كالبدر جدّد عمره * يعود هلالا كلّما فني الشهر وقال الآخر : كأنّما الدّهر ماء كان وارده * أهل العصور وما أبقوا سوى العكر وذكر الجاحظ الحجازي في المسهب ، أنّه سأل عمّه أبا محمّد بن إبراهيم عن أفضل من لقي من الأجواد في عهد ملوك الأندلس ، فقال يا بن أخي لم يقدّر أن يقضى لي وطر وهم في شباب أمرهم وعنفوان رغبتهم في المكارم ، ولكن اجتمعت بهم وأمرهم قد هرم ، وساءت بتغيّر الأحوال ظنونهم ، وملّوا الشكر وضجّوا من المروءة ، وشغلتهم المحن والفتن ، فلم يبق فيهم فضل للإفضال وكانوا كما قال أبو الطيب : أتى الزمان إلخ . وإن يكن أتاه على الهرم فإنّا أتيناه وهو في سياق الموت . ومع هذا فإنّ الوزير أبا بكر بن عبد العزيز كان يحمّل نفسه ما لا يحمله الزمان ، ويبسم في موضع القطوب ، فيظهر الرضا في حال الغضب ، ويجهد أن لا ينصرف عنه أحد غير راض ، فإن لم يستطع الفعل عوّض عنه القول . قلت له : فالمعتمد بن عباد كيف رأيته ؟ قال : قصدته وهو مع أمير المؤمنين يوسف بن تاشفين في غزوته للنصارى . فرفعت له قصيدة منها : يا ليت شعري ما ذا يرتضيه لمن * ناداه يا موئلي في جحفل النادي فلمّا انتهيت إلى هذا البيت قال : أما ما أرتضيه لك فلست أقدر في هذا الوقت عليه ، ولكن خذ ما ارتضى لك الزمان . وأمر خادما فأعطاني ما أعيش في فائدته إلى الآن . قال فانصرفت به إلى المرية وكان بها سكناه والتجاؤه بها لكونها ميناء لمراكب التجّار من مسلم وكافر ، قال فكان إبقاء ماء وجهي على يديه . انتهى . ولصاحب الترجمة الكوراني أشعار غير ذلك ما ذكرناها . وبالجملة فقد كان من الأدباء المشاهير أهل الكمال والعرض .