محمد خليل المرادي
81
سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر
وبعد مدّة أعطي رتبة قضاء القدس ، كي يزيد اعتباره وينمو اشتهاره . وباشر الافتاء بهمّة عليّة ومكارم حاتمية وزهد أدهميّ وسخاء حاتميّ وعفّة ونزاهة وتقوى وديانة . وانتشرت فتاويه وأرغم أنف مناويه . وامتدحه الشعراء ، وقصدته الأدباء ، ووردت عليه العلماء من البلاد ، وقام باحترامهم وإكرامهم وسعى فيما يرضيهم وينفعهم . وانعقدت عليه رئاسة دمشق . وكان هو المرجع والمقصد في أمورها وإزالة مدلهماتها وإصلاح فسادها وتنظيم قراها وبلادها وسياسة رعاياها وحماية فقرائها وصيانة أغنيائها . ووصل خبره إلى السلطان الأعظم أبي النصر غياث الدّين عبد الحميد خان « 1 » رحمه اللّه تعالى فانسرّ من حال عمّي المترجم ودعا له ، وكتب إليه كتابا يتضمّن استجلاب دعواته ، وحثّه على قيامه بالرئاسة وإعمار دمشق وصيانتها من الظلم والتعدّي . وأرسل له ألف دينار . ولم يزل على حاله إلى أن مات . سمعت من فوائده ، رضي اللّه عنه ، وانتصحت بنصائحه وتربيته . وكان يحبّني ويودّني ويقدّمني على أولاده ، ويقوم باحترامي وتعظيمي . وكنت أشاهد منه مودّة الوالد لولده ، وحنوّ المرضعات على الفطيم ، وانتفعت بدعواته . ولمّا مات تكدّرت لموته ، وحزنت لمصابه ، وفقدت بارّا يشفق ، ووالدا يرحم ، وملاذا للنائبات يعدّ . وقد فصّلت أحواله وأطلت في ذكرها في كتابي : « اتحاف الأخلاف بأوصاف الأسلاف » . توفي ، رضي اللّه عنه ، بعد أن مرض شهرا ، يوم الجمعة خامس عشر رمضان سنة ثمان وثمانين ومائة وألف ، ودفن من اليوم على والده ، في مقبرتنا داخل دارنا ، في محلّة سوق صاروجا . وكانت جنازته حافلة ، حضرها أهالي دمشق جميعا ، رحمه اللّه تعالى . حسين الخالدي - 1200 ه حسين بن محمد بن موسى بن محمود بن محمد بن صالح الخالدي القدسي الحنفي ، أبو عبد اللّه ، الشيخ العالم الأديب النجيب المتفوّق الذكي الكاتب . ولد سنة إحدى وخمسين ومائة وألف ، وقرأ القرآن العظيم ، واشتغل بالأخذ والتحصيل . وجلّ انتفاعه على الشيخ أبي النون يونس بن محمد الغزالي الخليلي ، نزيل بيت المقدس . وكان سريع الكتابة والإنشاء ، يعرف الأدب واللّغة ، حسن الخطّ . ونظم الشعر وبرع به . ومن نظمه ، وأنشدنيه من لفظه ، تعجيز وتصدير قصيدة كعب بن زهير المشهورة اللامية ، والتوسّلات الإلهية ، وأهداها إليّ بخطّه .
--> ( 1 ) الأوّل .