محمد خليل المرادي
54
سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر
وكان كثير المطالعة لكتب الغزالي ، رضي اللّه عنه ؛ سيّما « الإحياء » . وكان قلندري المشرب « 1 » دعبليّ اللسان ، يقذف الكبير والصغير ، ويهجو الناس بشعره ، حتى إنّه هجا نفسه . فلذلك وقع في المهالك . ويحكى أنّ السبب في ذلك غضب والده عليه . وكن والده من العلماء المشهورين . له اليد الطولى في العلوم الرياضية ، كالحساب والهيئة والفلك والموسيقى ، ويعرف الفرائض حقّ المعرفة . وترجمه الأمين المحبي في تاريخه « 2 » . وذكر أنّ وفاته كانت في سنة سبع وثمانين بعد ألف . وبالجملة فقد كان ولده هذا من النوادر المقبولة . وله شعر كثير . وديوانه رأيته ، فرأيته يشتمل على هجو وحقيقة وغيره . فمما جرّدت منه قوله : إنّ أهل الخمول أهل الطريقة * لهم قد بدت معاني الحقيقة وسواهم وإن تسامى غرورا * ماله في الوجود تلك الرقيقة فاختصر واقتصر فما ثمّ إلّا * ذو ريا أو مرا ، خلا عن وثيقه وقوله : أحنّ إلى أناس قد تفانوا * عن الأغيار وانقطعوا إليه تراهم في الورى أبدا سكارى * حيارى من حضورهم إليه ولست أرى أناسا قد تساموا * بما هم فيه من زور عليه ومن شعره : لي فيك معنى لطيف ليس يدريه * إلّا امرؤ ليس يدري ما الذي فيه به تخلّيت عن علمي وعن عملي * وصرت منه به في منتهى التّيه وله أيضا : أحنّ إلى المنازل والربوع * وقلبي من نواها في نزوع أسائل من لقيت ولي غرام * مقيم بين أحشاء الضلوع لقد جدّ الهوى بي حيث أودى * بما أبدى لديّ من الضلوع وله :
--> ( 1 ) القلندريّة ، هم المحلّقون ، أتباع الشيخ محمّد السّاوجي وجلال الدّين الدر كزيني ، وقد نشأ مذهبهم في دمشق ، وبنوا الزاوية القلندريّة سنة 616 ه فيها ، وكانوا يمتازون بحلق رؤوسهم ولحاهم وحواجبهم . انظر خطط دمشق / 426 . ( 2 ) خلاصة الأثر 2 / 161 ، والحديث عن الأب .