محمد خليل المرادي
335
سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر
وقطن بدمشق بالمدرسة السّميساطيّة ، وكذلك في المدرسة الفلاقنسيّة « 1 » . وكان في ابتداء أمره لا يقبل من أحد شيئا . وكان زاهدا . أخبر بعض تلامذته أنّه عرض عليه شيئا كثيرا من المال ، فلم يقبل وقال : انظر من هو أحوج منّي . وكان إذا سمع ذكر اللّه يغطّ ويرتعد ، ثم يفيق ويقول : جلّت عظمته ربّي . وكان حافظا للألسن العربيّة والتركيّة والفارسيّة والكرديّة . ويا لجملة فقد كان من العلماء الأعلام والمحقّقين العظام . وكانت وفاته في سنة اثنتين وسبعين ومائة وألف ، في دمشق ، ودفن بصالحيّتها بسفح قاسيون ، وقد زاحم الستّين . رحمه اللّه تعالى . عبد الرحمن الكردي - 1195 ه عبد الرحمن بن حسن بن موسى الشافعي الكردي المولد ، الدمشقيّ المنشأ والوفاة . تقدّم ذكر والده في محلّه . الشيخ الصوفيّ العارف الصالح التقيّ النقيّ الفاضل . كان من مشاهير المشايخ الصوفيّة بدمشق ، معتقدا عند الخاص والعام . تحبّه الناس وتكرّمه ، مع أخلاق حسنة ، واستقامة مستحسنة . وصلاح حال ممدوح ، وطبع محمود . ولمّا توفّي والده في سنة ثمان وأربعين ومائة وألف ، وكان يقرئ « فصوص الحكم » للشيخ محيي الدّين ابن العربي ، قدّس سرّه . ففي يوم وفاته اجتمع التلامذة وجاءوا بالمترجم وأجلسوه مكان والده . وكان لا يظنّ به أن يصير أهلا للإقراء ، حتى إنّ أحد التلامذة ذهب لدرسه حتى ينظر كيف يقرّر الدرس استهزاء بقدره ، لمّا كان عليه من عدم المعرفة بذلك . فرآه يقرّر ويقرئ مثل والده . وشرع في التقرير المقبول في ذلك ، واستمرّ يقرئ ذلك وغيره ، كالفتوحات وغيرها ، إلى أن مات مستقيما على وتيرة واحدة مبجّلا بين العال والدون ، محترما مكرّما ومعتقدا خصوصا عند النساء ، فكنّ يردن عليه زمرا ويأخذن منه التمائم هنّ والرجال أيضا . وكان مستقيما في مكان والده ، وهو المسجد الذي تجاه دار بني حمزة النقباء بدمشق ، في زقاق النحّاسين « 2 » ، بالقرب من باب الفراديس . ثم في آخر أمره بنى له زاوية كانت معدّة في الأصل لطبخ القهوة ، تجتمع بها الأسافل والرّعاع من الناس وأهل الضلال والفجور والقمار ، وكانت لهم ، فأخرجها اللّه من الظلمات إلى النور ، وجاءت من أحسن الأبنية . وهي في محلّة العمارة بدمشق ، لصيق باب الفراديس « 3 » . واستقام الشيخ المترجم بها مدّة قليلة . وبالجملة فقد
--> ( 1 ) مدرسة فتحي الدفتريّ الفلاقنسي في القيمرية . ( 2 ) زقاق النحاسين هو زقاق النقيب اليوم في العمارة . ( 3 ) هذا الوصف ينطبق على مسجد السادات ، الذي هو المدرسة المجاهدية البرّانية ، واللّه أعلم .