محمد خليل المرادي
275
سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر
الكواكبي في تفسير البيضاوي مع جملة فضلاء ذلك العصر ، إلى أن برع في العلوم المذكورة ، وغيرها من العلوم الشرعية والعقلية . وفرغ له شيخه الشيخ عبد القادر المذكور عن وظيفة الحديث في الجامع الأموي بحلب ، وجامع أبشير باشا « 1 » . فقام بهما ، والشيخ يتناول معلوم الوظيفتين ، إلى أن توفّي الشيخ ، واستمرّ على الإقراء مدّة مديدة ، ثم إنّه ترك جميع ذلك وانقطع عن الناس في البيت ، وأقبل على شأنه . وكانت له معرفة تامّة ويد طولى في الفنون الغريبة والاشتغال بها . وتآليفه جليلة فيه . لكنّه لم يتظاهر بمعرفة شيء ، وأحرق جميعها . ولم يبق شيئا لا له ولا لغيره ، وأعرض عن ذلك كلّه . وكان كلّما حدّث بشيء من ذلك يبكي ويستغفر . وأقبل على الاشتغال بعلم السادة الصوفيّة ومطالعة كتبهم . ولم يكن قبل ذلك مشتغلا بالعلوم المذكورة . بل كان مكبّا على العلوم الرسميّة . ثم إنّ خاله المذكور قبيل وفاته أرسل له بالخلافة والإجازة . ومن جملة ما كتب له : « هذا وقد حبّب إليّ أن أجيز مولانا بما أجيز لنا به تطفّلا منّي على سبيل الهجوم ، وإن كان غنيّا عن ذلك بما حواه من دقائق العلوم . فكمالاته العليّة لا تحتاج إلى نقصنا . لكن هكذا جرت عادة هذه الطائفة ، فهي من بركات السّلف عائدة على الخلف : كالبحر يمطره السّحاب وماله * منّ عليه لأنّه من مائه فاستمرّ المترجم على الانقطاع في بيته . وكان قد تعاطى الأسباب المعاشية نحو ثلاث مرّات فتعسّرت عليه المعيشة ، فترك ذلك وجلس على الفتوح ، فكان يأتيه رزقه من حيث لا يحتسب . فتارة يكون في سعة وتارة يكون في ضيق ، وكان يقبل ما يأتيه من النذر ، ولا يقبل ما يأتيه من الهدايا ، ولو كانت سنيّة . وكانت الناس تقصده في حوائجهم ، فتقضى بتوجيهاته ودعائه ، كما اشتهر ذلك عنه ، ورزق القبول التامّ عند الخاص والعام مع المهابة والتوقّي والاحترام . وكان حاله الستر والخفا والتمكّن . وله أصحاب مخصوصون يجتمعون به في أوّل النهار والليل . وكان الغالب عليه التكلّم في وحدة الأفعال ظاهرا ، وقليلا ما كان يتكلّم في وحدة الصّفات والذات ظاهرا .
--> ( 1 ) وقفه أبشير مصطفى باشا والي حلب سنة 1060 ه ، وله فيها مبرّات كثيرة ، وهو اليوم بحالة حسنة . المصدر السابق 202 .