محمد خليل المرادي
246
سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر
ولد بغزّة هاشم في شوال سنة ثمان وثلاثين ومائة وألف ، كما أخبرني والده الشيخ علي . وارتحل إلى مصر ، وأخذ بها عن علمائها الفحول . وتلمذ لتلك الجهابذة ، حتى حصل الفضل الذي لا نكر فيه ، وتولّى إفتاء الشافعية بغزّة . وقدم دمشق واستوطنها ، ودرّس بالجامع الأمويّ ، وفي مدرسة الوزير سليمان باشا العظم التي أنشأها بالقرب من داره داخل زقاق باب البريد « 1 » ، ولزمه جماعة من الطلبة . واستمرّ على الإقراء والإفادة . وكان منهمكا بحبّ الدنيا . وكان يكثر الترداد على آغة أوجاق اليرلية بدمشق يوسف آغا الشهير بابن جبري ، وله عنده مزيد الرفعة . وتردّد إلى الوالد أيضا . وكان الوالد يحسن إليه ويبرّه ويشهد بأدبه ونبله . وله فيه الشعر والمديح . فمن نظمه ما امتدح به والدي بقوله : عيون المها ردّي سهامك عن نحري * فما لي على رشق اللواحظ من صبر وأبق على الصبّ المتيّم قلبه * فقد راعه ما في الجفون من السحر إلى اللّه أشكو أنّ في القلب لوعة * تقلّب أحشاء المحبّ على الجمر وأجفان عين قد تجافت عن الكرى * فما تلتقي إلّا على دمعة تجري سلوا الليل يخبركم دجاه بأنّني * أبيت سمير النجم فيه إلى الفجر أبت مقلتي إلّا مجانبة الكرى * فوا خجلي هل لي إلى الطيف من عذر ؟ أهيم اشتياقا نحو دار ألفتها * فآها وآها ثم آها على مصر ترقرق ماء النيل فيها كأنّه * لجين مذاب فوق أرض من التبر ولولا بقايا طعمه في مذاقتي * لما ظهرت تلك الحلاوة في شعري وقائلة لمّا رأت ما أصابني * وصبري على داء أمرّ من الصبر أتذكر مصرا بعد ما صرت داخلا * رحاب هلال المجد في وجنة الدهر على علا معنى العلا باشتراكه * له في اشتقاق صار في السرّ والجهر إليه انتهى ما في النهى من مدائح * جواهره في الجيد تزهو وفي النحر له في مقام الجمع فرق وإنّما * حقيقته التوحيد في عالم الذرّ إلى الغير لم ينظر وإن حان لفتة * فتلك مبادي الأمر من مبدأ السرّ يربّي مريديه بأدنى التفاتة * ولولا المرادي ما نظرت سنا البدر فإن مدحوه باكتساب معارف * أقول علوم الوهب في صدره تجري
--> ( 1 ) هي المدرسة السليمانية الجوّانيّة لصيق خان الجمرك من الغرب ، وقد عرفت المنطقة بها .