محمد خليل المرادي
180
سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر
الفضل التّام لحلب وتوطّنها ، واشتهر بها بالنحو ، وتولّى تدريس جامع الفردوس وغيره . وأخذ عنه الأفاضل ، وتفوّق واشتهر . وترجمه الأمين المحبي الدمشقي في ذيل نفحته « 1 » ، وقال في وصفه : روض فضل مطير ، عرفه فوّاح عطير . يتطاير الجدّ عند انقداحه ، فيوري زند النجاح قبل اقتداحه . صحبته بدمشق إبان التحصيل ، والهمّة تعقد بيننا وبين التفريع والتأصيل . ونحن في بلهنية هنية ، نقطف زهر الحياة جنيّة . فلم أعثر منه على ريبة ، ولم أعهد منه حالة غريبة ، وكان له بيننا خطوة ، لم تقصر له عن سابقنا خطوة . فثوب الاعتبار لباسه ، ونور التوفيق اقتباسه . ثم رحل إلى بلده حلب بفضل وافر ، وكمال يهون به كلّ صعب متنافر : فتنازع البلدان فيه صبابة * وكلاهما جمّ الغرام طروب فاجتنى الآمال لدنة الفروع ، وامترى حلوبة العيش ملآنة الضروع . وأحرز قصب اليراع . فحاك وشيا ما يحاك بالابتكار والاختراع . فالأرجاء بأضوائه مؤتلفة . والأراجي من الآملين به معتلقة . وله شعر مختار ، كأنّه جني نحل مشتار « 2 » . انتهى ما قاله . وممّا وصلني من شعره قوله من قصيدة أوّلها : روى الملثّ بسيبه الفيّاض * ربعا به زمن الشبيبة ماض ورعى ظباء فيه قد طارحتها * ذكر الغرام بأعذب الأحماض في روضة غنّا بغوطة جلّق * يجري اللّجين بها على الرضراض مع كلّ معسول الثنايا لحظه * عند الفتور أحدّ عضب ماض يفترّ عن حبب يجول خلاله * ماء الحياة لميّت الإعراض أقول : وقوله : بغوطة جلّق . . . إلى آخره ، هي بقعة بناحية دمشق الشام ذات أزهار وأشجار ومياه ومحاسن وأطيار ، تشتمل على عدّة قرى ذات أدواح وغياض ورياحين ورياض وغير ذلك . وقد أجمع جوّاب الأرض أن متنزّهات الدنيا أربعة وهي : شعب بوّان ، وصغد سمرقند ، ونهر الأبلّة ، وغوطة دمشق . قال أبو بكر الخوارزمي : وقد رأيتها كلّها ، فكان فضل الغوطة على الثلاث كفضل الأربع على سائر الأماكن . فبذلك يكون له الرونق البهيج النضر والمحاسن البهيّة . فأمّا شعب بوّان فهو كورة من نواحي نيسابور ، لبوّان بن أفرح بن أفريدون ، قد ألحفتها
--> ( 1 ) صفحة 365 - 366 . ( 2 ) مجتنى .