محمد خليل المرادي

106

سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر

ومن ذلك تضمين الفاضل الأديب المولى إبراهيم بن عبد الرحمن العمادي الدمشقي : لقد وعدت زيارتنا سليمى * وقد قلّ التصبّر والقرار فوافت بعد حين وهي سكرى * ترنّحها الشبيبة والوقار فريعت من تبلّج صبح شيبي * وقالت : لا أزور ولا أزار فقلت لها : ولم تعدين صبّا * كئيبا قد براه الانتظار ؟ فغضّت طرفها عنّي وقالت : * « كلام الليل يمحوه النهار » وأصل ذلك ما نقل أنّ أمير المؤمنين الرشيد هجر جارية ، ثم لقيها في بعض الليالي في القصر سكرى ، وعليها رداء خزّ ، وهي تسحب أذيالها من التيه . فراودها فقالت : يا أمير المؤمنين هجرتني هذه المدّة ، وليس لي علم بموافاتك ، فانتظر حتى أتهيّأ للقياك وآتيك بالغداة . فلمّا أصبح قال للحاجب : لا تدع أحدا يدخل عليّ . وانتظرها ، فلم تجىء . فقام ودخل عليها ، وسألها إنجاز الوعد ، فقالت : يا أمير المؤمنين كلام الليل يمحوه النهار . فخرج واستدعى من بالباب من الشعراء . فدخل عليه الرقّاشي ومصعب وأبو نواس . فقال : أجيزوا : « كلام الليل يمحوه النهار » . فقال الرقّاشي : أتسلوها وقلبك مستطار * وقد منع القرار فلا قرار وقد تركتك صبّا مستهاما * فتاة لا تزور ولا تزار إذا ما زرتها وعدت وقالت : * « كلام الليل يمحوه النهار » وقال مصعب : أما واللّه لو تجدين وجدي * لما وسعتك في بغداد دار أما يكفيك أنّ العين عبرى * وفي الأحشاء من ذكراك نار تبسّم ضاحكا من غير ضحك * « كلام الليل يمحوه النهار » وقال أبو نواس وأجاد : وليلة أقبلت في القصر سكرى * ولكن زيّن السّكر الوقار وقد سقط الرّدا عن منكبيها * من التخميش وانحلّ الإزار وهزّ الريح أردافا ثقالا * وغصنا فيه رمّان صغار فقلت لها عديني منك وعدا * فقالت : في غد منك المزار ولمّا جئت مقتضيا أجابت : * « كلام الليل يمحوه النهار » فقال الرشيد : قاتلك اللّه يا أبا نواس ، كأنّك كنت ثالثنا . وأمر لكلّ واحد بخمسة آلاف درهم ، وأمر لأبي نواس بعشرة آلاف وخلعة سنية .