محمد خليل المرادي

90

سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر

فأعطيته شيئا مما تيسّر ، فأحرزه ولاح في وجهه الخفر . فناولني تفاحة أبرزها من جيبه الظريف ، على نهج التعريض والتلطيف . تفاحة تتسوّر العنبر والغالية ، ويغبن من استبدلها بقرطي مارية . ولو عبقت في الشرق أنفاس طيبها * وفي الغرب مزكوم لعاد له الشمّ فقلت له : يا غلالة الروح ، وطلالة الغبوق والصبوح ، لغيري زكاة من جمال فإن يكن * زكاة جمال فاذكر ابن سبيل كأني أردت به التعريض لقبلة الوداع . فقال : لا تطعم العبد الكراع ، فيطمع في الذراع . ثم فاه وأنفاسه مطيبة برامك : السبيل أمامك ، فامش طالبا مرامك . ثم ودّع وأنشد ، كأنّ غراب البين غرّد : إذا ما دعتك النفس يوما لحاجة * وكان عليها للخلاف طريق فخالف هواها ما استطعت فإنما * هواها عدوّ والخلاف صديق فقلت له : من غاب عنكم نسيتموه * وروحه عندكم رهينه أظنكم في الوفاء ممّن * صحبته صحبة السفينة ثم انصرفت وداعي الشوق يهتف بي * ارفق بقلبك قد عزّت مطالبه ثم قلت لبشار وهو أحير منّي ، من أوضاع ذلك الطرير الطرار : تنقّل فلذّات الهوى في التنقّل * ورد كلّ صاف لا تقف عند منهل هلمّ نتفيّأ ظلال هذه الحدائق ، ونتفرج بتلوّن الأزهار وتموّج الخلائق . عسى أن يرشّنا بدل الزلال بلل ، بمفهوم إن لم يكن وابل فطلّ . فأنشد : فتظنّ سلمى أنّني أبغي بها * بدلا ، أراها في الضلال تهيم هيهات يبدل العنبر بالغبار ، فالجحش لما فاتك الأعيار . طار الطاوس فلا يفيد الشبه والوله . وقد يركب الصعب من لا ذلول له . فقلت له : ويحك كذّب النفس إذا حدّثتها ، وعظّم المطالب متى فتشتها . وغرّد وتمثّل ، بقول الشاعر الأمثل : أعلّل النفس بالآمال أرقبها * ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل فإن الطير يطير بجناحه ، والمرء بهمته : على قدر أهل العزم تأتي العزائم * وتأتي على قدر الكرام المكارم وليس الرزق عن طلب الحثيث * ولكن ألق دلوك في الدلاء تجيء بملئها طورا وطورا * تجيء بحمأة وقليل ماء انتهى .