محمد خليل المرادي
87
سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر
وأخذ التفسير والفقه واللغة والنحو والمنطق والمعاني والبيان والأدب والشعر . وتفوّق وأتقن الإنشاء وحسن الترسّل واللغة وحفظ الأمثال والشواهد والأغلب من أشعار العرب ووقائعهم . وكان حريصا على تحصيل فائدة ، مهتما بجمع الفوائد العلمية والمسائل الأدبية ، ويكتب الخط المنسوب ، ويضبط الألفاظ والمسائل التي يثبتها في أجزائه وصاهر المولى الأديب زين الدين مصطفى بن محمد رئيس الكتّاب ، وانتسب إليه فجعله من أعيان الكتّاب . وأقبل بكلّيته عليه ورسم له أن يكون من رؤسائهم . وولي بعض المناصب ككتابة الصدر الوزير الأعظم ، ثم صار رئيس الجاويشية ، وانعقدت عليه أمور الدولة ، وفوّضت إليه في أيام السلطان أبو التأييد والظفر نظام الدين مصطفى خان « 1 » في المعسكر السلطاني . وكان هو مع من كان في المعسكر السلطاني أيام الغزو والجهاد على الكفار الروسية . وحمدت سيرته بين أعيان الدولة . وكان الوزراء والأمراء والحكام ينقادون إلى كلامه ويستشيرونه في أمور الدولة وترتيب العساكر ، وتقليد المناصب . واستقام على هذه الحالة قدر خمس سنين . ثم بعد وقوع الصلح بين المسلمين والكفار وانقضاء الأمر ورجوع الوزراء والأمراء وأعيان الكتاب صحبة المعسكر السلطاني واللواء الشريف إلى دار السلطنة قسطنطينية ، صار محاسب الأموال السّلطانية ، وثاني وكلاء بيت المال والروزنامجية الكبيرة ، وأمين المطبخ السّلطاني . اجتمعت به في دار السلطنة ، في جمادى الثانية ، سنة سبع وسبعين ومائة وألف . وسمعت من فوائده ، وصحبته ، وأطلعني على آثاره ، منها : حديقة الرؤساء ، ومنها خميلة الكبراء . تشمل الأولى على تراجم رؤساء الكتاب في دولة العثمانية ، والثانية تشتمل على تراجم الخواص والمقربين رؤساء خدام الحرم السلطاني الأمراء السود والحبشان . وسمعت من أشعاره ونثاره الكثير . وكان بينه وبين والدي محبة ومودّة ، وله أخذ عن الجد العارف محمد بهاء الدين المرادي الحسيني . وكنت أسمع خبره من الوالد وغيره قبل الاجتماع . وكان الوالد يراسله ويكاتبه ، واجتمع به بقسطنطينية . وكان خبيرا بالأمور بصيرا بأعقابها . له رأي ووفرة عقل ، وقوة ذكاء ، وقريحة غير قريحة ، وفضل لا ينكر ، وأدب غضّ ، وحسن ترسّل في الألسن الثلاث . ولا يكتب
--> ( 1 ) السلطان مصطفى الثالث بن أحمد الثالث حكم بين 1171 و 1187 ه . والحرب المذكورة كانت سنة 1185 ه - الدولة العثمانية ، 103 و 104 .