محمد خليل المرادي
67
سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر
لأنه كان السبب في تقوية الدولة المصرية على العساكر الشامية ، طمعا منه في قتل عثمان باشا ، وصيرورته مكانه كافلا بدمشق فما قدّر اللّه ذلك ، وأرجع كيده في نحره ، فلا قوّة إلا باللّه . ثم لما رجع المترجم ووصل إلى القاهرة وأخبر مولاه علي بيك بما فعل لم يرض بذلك ولامه على تركه الشام بعد الاستيلاء عليها وطرده . فصار أبو الذهب من أعدائه ، فخرج من مصر إلى بلاد الصعيد وجهز عساكر عظيمة ، ورجع إلى مصر ، فطرد منها مولاه المزبور واستولى مكانه ، فخرج هاربا علي بيك بعساكره . وجاء إلى عكا ووقع عند عمر الظاهر وطلب منه أن يعينه على قتل أبي الذهب . فجهز له عساكر جمّة وأرسلها معه ، وأصحبه زمرة من أولاده وأجناده . فخرج وقصد مصر . فلما بلغ خبره أبا الذهب خرج من مصر لملاقاته ، فتلاقى الجمعان وتقاتلا . وكان الغالب أبا الذهب ، فقتل علي بيك المزبور ، وأكثر في عسكره السفك وإراقة الدماء . ومن جملة المقتولين صليبي بن عمر الظاهر ، وتفرّقت عساكر علي بيك والظاهر أيدي سبأ . ثم رجع أبو الذهب إلى مصر واستقلّ برياستها . ثم في سنة تسع وثمانين ومائة وألف توجّه من مصر بالعساكر العظيمة والعدد والعدد قاصدا إجلاء الظاهر ودولته وقتله وقتل أولاده . فلما بلغ الظاهر هذا الخبر استعد لمحاصرته ومضاربته . وأرسل إلى بلدة يافا أعيان شجعانه الذين كان يسميهم بالفداويّة ، وأمرهم أن يكونوا بقلعة يافا ويحصّنوها بالأطواب ، وبقي هو في بلدته عكا قلائل . ورأى « 1 » أنه يطول الأمر به في المحاصرة لها ، فأمر باصطناع مدفع عظيم مساحة كلته ذراع وثلث . ثم إنه أمر بوضعها في المدفع مع قنطارين من البارود ، وأبعد عسكره عنه أربعة أميال ، ثم أمر برمي المدفع المذكور على القلعة . فلما قوّص هدمها على أهلها ، فخرج بعض أهاليها ، وقتل البعض ، فأمر بالقبض على من خرج سالما ، وربطهم بحبل على بعضهم بعضا ، ثم جلس على كرسي ، وأمر بضرب أعناقهم ، فضربت أعناقهم عن آخرهم ، وهو جالس ينظر إليهم . ثم في ثاني يوم من قتلهم وهدم تلك البلد ، عجل اللّه له الموت ، فمات ثاني اليوم ، مسموما بسمّ أرسله له عمر الظاهر ، وجعل لمن أدخله عليه خمسة آلاف دينار . ثم إن أعيان دولته جوّفوه وحملوه ميتا إلى القاهرة ، فدفن بالجامع الذي أنشأه تجاه الجامع الأزهر « 2 » . وقد أرّخ وفاته أديب مصر وشاعرها الشيخ قاسم « 3 » ، الملقب بالأديب الشافعي ، بقوله :
--> ( 1 ) أبو الذهب . ( 2 ) سمّاه الجبرتي : مدرسة ، وقد وصفها بإسهاب ، وذكر أنّ بناءها قد اكتمل سنة 1188 ه . ( 3 ) قاسم بن عطاء اللّه المصري . توفي سنة 1204 ه . الجبرتي 2 / 89 .