محمد خليل المرادي
25
سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر
الأصل ، الدمشقي . الشاب الفاضل الأديب النبيه الذكي الفائق الصالح الكامل . ولد بدمشق سنة أربع ومائة وألف . وأرّخ ميلاده الأستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي بقوله : « وبإبراهيم الذي وفّى » . نشأ في كنف والده بطاعة وصيانة . وحضر دروس علماء عصره . وقرأ المعاني والبيان والنحو على شيخ الإسلام الشمس محمد الغزي العامري مفتي دمشق ، وعلى الشيخ محمد أبي المواهب مفتي الحنابلة بين العشاءين بالجامع الأموي . وكذلك على المعمر الشمس محمد بن علي الكاملي في رمضان بعد صلاة الصبح في الجامع الأموي ، وكذلك على الشيخ المحدّث يونس الأزهري . ولازم الأستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي كوالده في غالب أوقاته ، وحضر دروسه ، واستجاز له والده من دمشق وغيرها جمّا غفيرا من العلماء كعبد اللّه البصري المكي ، وعثمان النحاس ، وأبي المواهب الحنبلي ، ومحمد الكاملي وسعدي بن عبد الرحمن بن حمزة المحدث ، ومحمد بن محمد البديري الدمياطي ابن « الميتة » وعبد الكريم بن عبد اللّه العباسي الحنفي المفتي المدني . . . وغيرهم . وأبو الطاهر محمد بن إبراهيم الكوراني . ومهر وبرع ، وصار له فضل ونباهة لا تنكر ، مع طبع رقيق ولطف مع الخاص والعام بمزيد المحبة والصداقة . وترجمه الشيخ سعيد السمان في كتابه . وقال في وصفه : غصن تلك الدوحة النديّة ، وشذا تلك الفوحة الندّية . كرع من حياض والده العلوم واغترف ، وأقرّ لذكائه الزمان واعترف . فتهلّلت به أسارير النباهة ، وفاق أقرانه وأشباهه . . بمحيّا وسيم ، وأدب جسيم . يستوجب منهما العبير شميمه ، وتودّ الدمى لو صار لأجيادها تميمة . وصفحة سجنجل كل متيّم ، وجفن كم أغرى مغرما وهيّم . مع صيانة ملء برده ، ولطافة كالروض حفّ بورده . وكانت تميله نفحات الهوى ، وما أفل نجم اعتنائه ولا هوى . مع همة في تناول الآداب منوطة ، وفكرة ممالا يعني قنوطه . ولم يزل ينهب أوقاته لذة ، ويقطع كبد رقبائه فلذة فلذة . ويمرح في ميدان الشبيبة ، ويجيد غزله وتشبيبه . إلى أن ذوى غصنه وهو غض ، وأغمض عن نعيم الدنيا جفنه وغض . وله شعر ينبه الغرام ، ويدعو إلى النشوة من مقل الآرام . ( انتهى ) ما قاله . ولما توفي والده صار يقرأ العشر مكانه في درس الأستاذ النابلسي « 1 » إلى أن توفي . وقد رأيت لوالده هذه الوصيّة ، كتبها إليه وهي قوله : زر والديك وقف على قبريهما * فكأنّني بك قد نقلت إليهما لو كنت حيث هما وكانا بالبقا * زاراك حبوا لا على قدميهما
--> ( 1 ) في المدرسة السليميّة ، جامع الشيخ محيي الدين اليوم .