محمد خليل المرادي
107
سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر
ورب بيت غدا مشيّده * يبكي بدمع للسقف منحدر حتى الزرابي مع نمارقه * رأيتهم يسبحون في نهر هذا دم للسحاب منسفك * بسيف برق عليه مشتهر ومما كتبه لبعض أحبابه في نحو ذلك : سيدي كفيت النوائب ، ووقيت عوادي الغوادي ومس السجائف . وتبرّأت من غث عبث الأنواء . ومن تراكم ركامها المفضي إلى الإقواء . وننهي أنه ما خفي عنه ما أتى في هذا العام من حال الشتا ومطره الجاري كتموّج البحر العجّاج « 1 » . وسحابه المبرق الذي هو والرعد ذو امتزاج . وفعلاته التي فعلها في دمشق الشام ، حتى تعدى السفح وبرزة والمقام . فنفّر ثلجه البارد طيرها السارح وغرق في لجج السرطان حوتها السابح . وشرد أوانس الوحش وأخفر ذممها وألّم بقنن الأطواد وشيب لممها ، ومر بالأبنية المشيدة فهدم قوائمها . وأشار إلى القصور فاندكّت دعائمها . ولطم خدود الشقيق بأنامل كفه ، وأبكى الكمائم بعد ضحكها من وكفه . وصارت الأشجار بين يديه صرعى ، والنبات لا نضرة ولا مرعى . وأدى يومه بوقت الصباح مساء ، وأنسى الرجال حالهم وأبكى النساء . اللهم تفويضا لقضائك ، وتسليما لأمرك . واستدفاعا للبلاء النازل بمزيد شكرك . هذا بدمشق المؤملة للجنوب تضاعفت منها القوى والجنوب . فليت شعري كيف بلاد الإقبال ، وقد مالت إلى اليمين والشمال . فهل صينت منه حماة وحميت ، أو قاحت دملها بثلجها بعد ما دميت . وهل أقام العاصي على مدافعته أو أطاع الشريعة وأجاب نهر المرافعة ؟ وهل اجتنب السحاب مسانها أو اجتلب ، أو ترك معرة المعرات وعم الحافل وحلب . وكيف كان حال المولى النمر ، مع الشتاء الجموح والغيث المنهمر . وبرد السحب تشقق بمدية الرعود ، والأفق بالبرق مذهب الرايات والبنود . والأيام طوت بالقصر منشور طولها ، وأهوية نشرت القتام بمطوى هولها . فهل طلعت الشمس بعد مغيبها ، وأرت حق اليقين لعين مريبها ؟ وهل جادت بقرصها لذي نار ، أو سمحت بعد وصي ثلجها بدينار ؟ وهل نسخ شباط أحكام تشرين ، ونشر بالبشارة وردا أبيض ونسرين ؟ وهل هب من حزيران نافحه ، فأطفئ من جمر كانون لافحه ؟ وهل شممتم للربيع المريع نشرا ، وحظيتم بحسن معدنه البديع بشرى ؟ فعطروا مجامعنا منه بنوافح الطيب ، وشنفوا مسامعنا بخبر حديثه الغريب . وأنبئونا بمنطق ورقه الصادحة وأطياره ، وهل كسيت بالحلل عرائس أشجاره ؟ فباللّه أسرعوا بالجواب والعجل ، فالعين متلمّحة والقلب في وجل . لا زالت قائمة بخدمتكم
--> ( 1 ) العجّاج : الصّيّاح - لمائه صوت .