عبد القادر السلوي
869
الكوكب الثاقب في أخبار الشعراء وغيرهم من ذوي المناقب
مرة ثانية ، فازدادوا عجبا ، وجعل بعضهم ينظر إلى بعض يرمزون « 1 » بكلامهم وأنا لا أعرف ما يقولون . ثم أخرجوا الكرة وضربوا بها مرّة ثالثة فسقطت في حجري ودخلت في كمّي ، فزاد تعجّبهم منّي وقالوا : إنّ هذا لأمر يراد أو « 2 » بطل فعل الكرة . وأقمت حتى انقضت أيام عيدهم ، وسألته أن يأذن لي في الخروج إلى الحجاز ، فأذن لي في ذلك ، بعد أن شرط عليّ أنّي لا أترك زيارته في كل وقت يمكنني ، وأنفذ معي غلاما له ، وجهّزني بطرائف من ثياب الوشي التي كانت تعمل بالإسكندرية ، وثياب من دبيق « 3 » دمياط ، وأكسية رقيقة من صوف ، وفصوص وغير ذلك ، فانصرفت إلى أهلي بوفور حال . وأخرجني الغلام من ناحية القلزم « 4 » إلى أيلة « 5 » وكتب إلى راهب كان بها هناك في دير يسأله أن يوجّه معي من يخفرني إلى موضع من المواضع أستغني به عن الخبير ، وكان الغلام الذي وجّه به معي يدري أمرهم ، وسألته عن الكرة فعرّفني أنّ من عادتها في ذلك اليوم أن لا تقع في حجر أحد من أولئك الوجوه إلّا ولي مصر ، وأنّهم عجبوا من ذلك وقالوا : هذا رجل عربيّ غريب ، فكيف يلي هذا مصر ؟ ! وصرفوا الأمر إلى فساد فعل الكرة ، قال عمرو : فوقع في نفسي من ذلك أمر لم أعرف الوجه فيه ، وسرت إلى منزلي ، وأنا أوفر التجار الذين خرجت معهم إلى الشام وأحسنهم حالا ، وعرض في نفسي شيء من أمر مصر ، فقلت : أحمل تجارة إلى بلد الروم ، وأدخل على الملك
--> ( 1 ) كذا في أب ج ش ه و : وجاء في بهجة المجالس 2 / 161 ويزمزمون . والزّمزمة : تراطن العلوج عند الأكل وهم صموت لا يستعملون اللسان ولا الشّفة في كلامهم ، لكنه صوت تديره في خياشيمها وحلوقها ، فيفهم بعضها عن بعض ( اللسان : زمم ) . ( 2 ) أب ج ش ه و : يراد وبطل وهو غلط ، والتصحيح من بهجة المجالس 2 / 161 . ( 3 ) أب ج ش ه و : دقيق ، وهو غلط ، والتصحيح من بهجة المجالس 2 / 161 . والدّبيق بلد بمصر ينسب إليه نوع من الثياب يقال لها الدّبيقيّة . ( اللسان : والقاموس : دبق ) . ( 4 - 5 ) القلزم بلد بمصر قريب من السويس على البحر . معجم البلدان 4 / 387 - 388 والقاموس ( قلزم ) . وأيلة : مدينة عربية معروفة بين مصر والشام على البحر . معجم البلدان 1 / 292 واللسان والقاموس : ( أيل ) .