عبد القادر السلوي
824
الكوكب الثاقب في أخبار الشعراء وغيرهم من ذوي المناقب
« 1 » روى زيد بن أسلم عن أبيه ، رحمهما الله ، قال أخبرني عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : خرجت مع ناس من قريش في الجاهلية في تجارة إلى الشام ، فبينما أنا بسوق من أسواقها بدمشق إذ أنا ببطريق قد جاءني فأخذ بعنقي ، فذهبت أنازعه نفسي ، فقيل لي : لا تفعل ، فليس لك منه النّصف ، قال : فخرجت معه ، فأدخلني كنيسة ، فإذا تراب كثير متراكب بعضه على بعض ، فدفع إليّ مجرفة وفأسا « 2 » [ وزنبيلا ] وقال لي : انقل هذا التراب واحفر لي ها هنا بئرا . قال : فجلست أفكّر في نفسي كيف أصنع ، قال : فأتاني في الهاجرة وعليه سبنيّة قصب « 3 » أرى سائر جسده منها ، ولم أحرّك شيئا ، فقال لي : وإنّك لعلى ما أرى بعد ما حرّكت شيئا . ثم ضمّ كفّه وأصابعه ، فضرب بها وسط رأسي ، فقلت في نفسي : ثكلتك أمّك يا عمر ، أو قد بلغت ما أرى ؟ قال : فقمت إليه بالمجرفة فضربت بها رأسه ، فنثرت دماغه ، وخرّ ميتا ، وخرجت على وجهي ، وما أدري أين أسلك من بلاد الله ، فمشيت بقية يومي وليلتي ومن الغد حتى أصبحت ، ثم انتهيت إلي دير فاستظللت بظلّه ، فخرج إليّ رجل من أهل الدير فقال : يا عبد الله ! ما يقعدك ها هنا ؟ فقلت : أضللت أصحابي ، قال : والله ما أنت على طريق ، وإنّك لتنظر بعين خائف ، قم فادخل الدّير فأصب من الطعام والشراب ما بدا لك وأقم ما بدا لك ، قال : فدخلت ، فأتاني بطعام « 4 » ( وشراب ) وألطف لي . ثم صعّد فيّ النّظر وخفّضه ، ثم قال : يا هذا ! لقد علم أهل الكتاب أنّه لم يبق على وجه الأرض أعلم منّي اليوم ، وإنّي أجد صفتك « 4 » ( انك ) الذي تخرجنا من هذا الدير ، وتغلب على
--> ( 1 ) من بهجة المجالس 2 / 156 - 158 بتصرف . وزيد بن أسلم سبق التعريف به في الصفحة 713 الحاشية 7 . ( 2 ) أب ج ه : بياض . وأما في ( ش ) فلم يترك البياض . والزيادة من بهجة المجالس 2 / 156 . والزّنبيل هو الجراب وقيل الوعاء يحمل فيه ، وهو القفة . ( اللسان : زنبل ) . ( 3 ) السّبنيّة : ضرب من الثياب مصنوع من الكتان ومنسوب إلى ناحية بالمغرب يقال لها سبن . والقصب ثياب تتّخذ من كتان رقاق ناعمة واحدها قصبي ( اللسان : سبن ، قصب ) . ( 4 ) ما بين القوسين ساقط من ج .