عبد القادر السلوي
942
الكوكب الثاقب في أخبار الشعراء وغيرهم من ذوي المناقب
« 1 » عن عبد الله المعلم « 2 » رحمه الله ، قال : خرجنا من المدينة حجّاجا ، فلما كنّا بالرّويثة « 3 » نزلنا فوقف بنا رجل عليه ثياب رثّة وله منظر ، فقال : من يبغي خادما ، من يبغي ساقيا ؟ فقلت : دونك هذه القربة فاملأها ، فأخذها وانطلق ، فلم يلبث إلّا يسيرا حتّى أقبل وقد امتلأت ثيابه طينا وأثّرت في كتفه فوضعها كالمسرور الضاحك ، ثم قال : ألكم غير هذا ؟ قلنا : لا ، وأعطيناه قرصا باردا فأخذه وحمد الله تعالى وشكره ، ثم اعتزل عنّا وقعد فأكله أكل جائع ، قال : فأدركتني عليه الرّأفة ، فقمت إليه بطعام طيّب كثير ، فقلت : قد علمت أنّه لم يقع منك هذا القرص كبير موقع ، فدونك هذا الطعام . فنظر في وجهي وتبسّم وقال : يا عبد الله ، إنّما هي فورة جوع ، فما أبالي بأيّ شيء رددتها عنّي ، فرجعت عنه ، فقال لي رجل إلى جنبي : أتعرفه ؟ قلت : لا ، قال : فإنّه رجل من بني هاشم من بني العباس بن عبد المطلب ، كان يسكن البصرة فتاب وخرج منها ، فتفقّد فما عرف له أثر ولا وقف له على خبر ، فأعجبني قوله . ثم اجتمعت به ، وآنسته فقلت له : هل لك أن تعادلني ، فإنّ معي فضلا من راحلتي ، فجزاني خيرا ، وقال : لو أردت ذلك لكان لي معك ، ثم أنس إليّ فجعل يحدّثني ، فقال : أنا رجل من ولد العباس ، يقال إنّه من ولد سليمان بن أبي جعفر المنصور ، كنت أسكن البصرة . وكنت ذا كبر شديد ، وإنّي أمرت خادما لي أن تحشو لي فراشا من حرير ومخدّة بورد نثير ففعلت ، فإنّي لنائم إذا بقمع « 4 » وردة قد أغفلته الخادم ، فقمت إليها فأوجعتها ضربا ، ثم عدت إلى
--> ( 1 ) من سراج الملوك 13 بتصرف إلى آخر الخبر . ( 2 ) لم أعثر له على تعريف في المظان . ( 3 ) الرّويثة : قرية جامعة في الطريق بين مكة والمدينة على بعد سبعة عشر فرسخا من المدينة . معجم ما استعجم 2 / 686 ومعجم البلدان 3 / 105 . ( 4 ) القمع والقمع : ما على الثّمرة والبسرة . وقمع الوردة : ما تنبت فيه وريقاتها ( اللسان : قمع ) .