عبد القادر السلوي

807

الكوكب الثاقب في أخبار الشعراء وغيرهم من ذوي المناقب

الهاشمي « 1 » ، قال : حضرت يوما من الأيام جلوس المهتدي للمظالم ، فرأيت من سهولة الوصول ونفوذ الكتب عنه إلى النواحي ، فيما يتظلّم به إليه ما استحسنته ، فأقبلت أرمقه ببصري إذا نظر في القصص « 2 » ، فإذا رفع طرفه إليّ أطرقت ، فكأنّه علم ما في نفسي ، فقال لي : يا صالح ، أحسب أنّ في نفسك شيئا تحبّ أن تذكره ، قال ، فقلت : نعم ، يا أمير المؤمنين ، فأمسك ، فلمّا فرغ من جلوسه أمر أن لا أبرح ، ونهض ، فجلست جلوسا طويلا ، ثم دعاني ، فقمت إليه . وهو على حصير الصّلاة ، فقال لي : يا صالح ، أتحدّثني بما في نفسك أم أحدّثك ؟ فقلت : بل هو من أمير المؤمنين أحسن ، فقال : كأنّي بك وقد استحسنت ما رأيت من مجلسنا ، فقلت : أيّ خليفة خليفتنا ، إن لم يكن يقول بقول أبيه ، من القول بخلق القرآن ، فقال : قد كنت على ذلك برهة من الدّهر ، حتى أقدم « 3 » على الواثق شيخ من أهل الفقه والحديث « 4 » ، من أهل أذنة « 5 » من الثّغر الشاميّ مقيّد طوال « 6 » ، حسن الشّيبة ، فسلّم غير هائب ، ودعا فأوجز ، فرأيت الحياء منه في حماليق « 6 » عيني الواثق والرّحمى « 6 » عليه ، فقال : يا شيخ ، أجب أبا عبد الله أحمد بن أبي دؤاد « 7 » عمّا يسألك عنه ،

--> ( 1 ) صالح بن علي بن يعقوب بن أبي جعفر المنصور من رجال الهاشميين المقربين للخليفة العباسي المهتدي وكان يستشيره في أمور الدولة ( - 262 ه ) تاريخ الطبري 9 / 457 ، 458 ، 469 ، 526 والكامل لابن الأثير 7 / 229 ، 305 ( ط . صادر ) ( 2 ) يقصد بالقصص هنا القضايا التي تعرض على الخليفة ليحكم فيها . ( 3 ) الخبر في الوافي بالوفيات ج 27 ميكرو فيلم في ترجمة هارون بن محمد المعتصم المعروف بالواثق ، وهو موجزا في الفوات 4 / 229 - 230 وتاريخ الخلفاء 316 . ( 4 ) هو أبو عبد الرحمن عبد الله بن محمد بن إسحاق الأذرميّ نسبة إلى أذرمة ، وهي قرية عند نصيبين من الجزيرة - وهو شيخ أبي داود والنسائي ، من العلماء الحفاظ المحدثين . اللباب في الأنساب 1 / 19 ، 38 وتاريخ الخلفاء 316 . ( 5 ) أذنة : بليدة بساحل الشام عند طرسوس ، بني حصنها سنة 144 ه معجم البلدان 1 / 133 واللباب في الأنساب 1 / 39 والوفيات 3 / 476 . ( 6 ) طوال : شديد الطّول . حماليق جمع حملاق ، وهو ما غطّت الجفون من بياض المقلة ، وقيل باطن الجفن الأحمر ، والرّحمى : الرحمة . ( اللسان حملق ، رحم ، طول ) . ( 7 ) سبق التعريف به في الصفحة 486 الحاشية 1 .